| |
|
 |
المحاضرات |
|
|
 |
|
|
ما هي فلسفة وجود الإمام المهدي (ع) غائبا؟؟ (9) / الأئمة (ع) وسطاء الفيض الإلهي / سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي ... حفظه الله
عن الإمام أمير المؤمنين (ع): (كُلنا واحد، أوَّلنا محمد وآخرنا محمد وأوسطنا محمد وكلنا محمد, فلا تفرقوا بيننا) (بحار الأنوار26/ 6 – 7)
تتناول هذه الحلقة الجديدة من نافذة (آفاقٌ جديدة) مواصلة الجواب عن السؤال الذي طرح في مجموعةٍ من الحلقات السابقة, وهو: ما هي فلسفة وجود الإمام المهدي (ع) حياً غائباً مع عدم استفادة الناس منه إستفادةً ظاهرة، أليس مثل هذا الوجود عبثيٌ لا فائدة وراءه، وكيف يمكن صدور العبث من الله تعالى؟!
وهذه هي الحلقة التاسعة في متابعة الإجابة عن ذلك السؤال.
أشرنا في الحلقة الماضية إلى أن هناك تفسيرين لـ أن الأئمة (ع) واسطة الفيض, وأنه قد يمكن الإعتراض على صحة إستنتاج كونهم (ع) وسطائه من الأحاديث التي تم الإستدلال بها لهذا الغرض, وبيَّنْا الإعتراض, ثم بدأنا بالجواب عن الإعتراض موَّضحين فيه أولاً عدم صحة التفسير الأول لتلك الأحاديث, وسنوضح - إن شاء الله تعالى - فيما يلي ثانياً أن التفسير الثاني لتلك الأحاديث صحيح, وأن المستنتج منها بناءً عليه هو أنهم (ع) وسطاء فيضه ورحمته.
2- وأماّ التفسير الثاني فصحيحٌ, وأما الملاحظتين المذكورتين إعتراضاً عليه فلا يصحان:
الجواب عن الملاحظة الأولى:
أنه جاء في الملاحظة: (مقتضى هذا التفسير أن الفيوضات الربانية إنما تكون عن طريقهم فهم واسطة وصول النعم إلى الخلق، وأقصى ما يقتضيه هذا هو أنهم عند تحقق وجودهم الجسماني في الدنيا فالنعم تكون عن طريقهم، لكنه لا يدل على نفي حصول الفيض الرباني عند عدم وجودهم...).
ولكننا نقول: الذي يستفاد من الروايات والأحاديث عدم إمكان خلو الزمان - كل زمانٍ - عن واسطة الفيض, ومما يشهد لذلك:
1- رواية جابر التي نقلناها في الحلقة السادسة من حلقات جواب هذا السؤال, عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال:
قلت: لأي شئ يُحتاجُ إلى النبي والإمام؟
فقال: (لبقاء العالم على صلاحه، وذلك أن الله عز وجل يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيٌ أو إمامٌ، قال الله عز وجل: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ), وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (النجوم أمانٌ لأهل السماء، و أهل بيتي أمانٌ لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون, وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون).
والواضح من هذه الفقرات أن استمرار الفيض الرباني على أهل الأرض يكون مُناطاً ومُرتبطاً بوجود نبيٍ أو إمامٍ معصوم (ع), وعلى أساس ذلك يستنتج أن وسطاء الفيض قبل عصر وجودهم كانوا هم الأنبياء (ع), ومن عصر وجودهم إلى آخر الدنيا هم الأئمة (ع), لأن الأرض لا تخلو من واسطة الفيض, كما هو واضحٌ من هذه الفقرة في الحديث المتقدم: (وذلك أن الله عز وجل يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيٌ أو إمامٌ), ولا نبي بعد نبينا (ص), فتنحصر واسطة الفيض بعد عصر نبينا إلى آخر الدنيا في الإمام المصوم, وبذلك يثبت أن الأرض لا تخلو منهم بعد أمير المؤمنين (ع) وأنهم وسطاء فيض الله تعالى إلى آخر الدنيا.
2 - حديث محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إن لله عز وجل خلقاً خلقهم من نوره ورحمته لرحمته، فهم عين الله الناظرة، واذنه السامعة، ولسانه الناطق في خلقه بإذنه، وأمناؤه على ما أنزل من عذرٍ أو نذرٍ أو حجةٍ، فبهم يمحو الله السيئات, وبهم يدفع الضيم, وبهم ينزل الرحمة، وبهم يحيي ميتاً ويميت حيا, وبهم يبتلي خلقه, وبهم يقضي في خلقه قضية).
قلت: جعلت فداك, من هؤلاء؟
قال: (الأوصياء).
(بحار الأنوار - العلامة المجلسي 26/240)
وهذا الحديث بدوره أيضاً يدل بوضوحٍ على أن الأرض وعالم التكوين لا يخلوان من واسطة الفيض، وأن الله جلَّ وعلا هو من منه الوجود، وخليفته وحجته وواسطة فيضه هو من به الوجود.
كما يدل على أن الواسطة هم الأوصياء - أي الانسان الكامل وخليفة الله في كل عصرٍ وزمان - والمقصود بـ الأوصياء مفهومٌ واسعٌ يشمل الأنبياء والأئمة (ع), أي من هو وصيُّ الله في الأرض.
فهذا الحديث أيضاً يدلُّ على ما دلَّ عليه الحديث السابق من أن الأرض لا تخلو من واسطة الفيض من نبيٍّ أو وصيِّ نبيّ, وهو الإمام المعصوم (ع), فيجري فيه ما قلناه في الحديث السابق.
الجواب عن الملاحظة الثانية:
وقد جاء فيها: (أن هناك أحاديثٌ كثيرةٌ تدل على أن الله تعالى خلقهم قبل أن يخلق الخلق ..., ومن الممكن أن يكون الوجود الخاص الثابت لهم من قَبْلِ خلق الدنيا وما فيها هو واسطة الفيض الرباني في فترات عدم وجودهم المادي في الدنيا..., فلا يمكننا إستنتاج ضرورة وجودهم الدنيوي منذ زمان أمير المؤمنين (ع) الى آخر الدنيا).
لكن يرده: إن كل الشواهد والفقرات التي نقلناها من الأحاديث المذكورة في جوابنا الأول والثاني والثالث عن التفسير الأول - والتي مرَّتْ في الحلقة السابقة - دلَّتْ على أن إستمرار الفيض مُناطٌ ومُرتبطٌ بوجودهم الفعلي الجسماني في الأرض, بحيث لولا وجودهم المذكور لما كان هناك فيضٌ, وليس لتلك الشواهد مفهوماً يتَّسع لكونهم وسطاء الفيض ولو بوجودهم الظلي السابق على وجود الدنيا, فلاحظ تلك الفقرات بإمعانٍ وتأملٍ تجد الأمر واضحاً, فلا حاجة إلى التكرار.
ومن ذلك يظهر جلياً أن لا مجال للإحتمال الذي ذكر في الملاحظة الثانية من إحتمال كونهم وسطاء الفيض بوجودهم الظلي السابق على وجودهم في الدنيا.
وقد تسأل: هل هناك أحاديث أخرى أيضاً تدل على أن الأئمة (ع) وسطاء فيض الله ورحمته ونعمه, غير الأحاديث التي ذكرت في الحلقات السابقة؟
الجواب: نعم, الأحاديث كثيرةٌ جدا, بل هي بدرجةٍ من الكثرة بحيث لا يمكننا إستقصائها في هذه الحلقات, ولكننا نشير هنا - تتميماً للأحاديث التي ذكرناها سابقاً - إلى أربعة أحاديث أخرى أيضاً:
1- عن مروان بن صباح قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إن الله خلقنا فأحسن صورنا, وجعلنا عينه في عباده, ولسانه الناطق في خلقه, ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة, ووجهه الذي يؤتى منه, وبابه الذي يدل عليه, وخزَّانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار وجرت الأنهار, وبنا ينزل غيث السماء وينبت عشب الأرض, وبعبادتنا عُبد الله, ولولا نحن ما عبد الله).
(الكافي - الشيخ الكليني 1/144 - ولاحظ بحار الأنوار 25/5)
2- عن عبد الله بن جندب, عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه قال: ((... بنا فتح الله الدين وبنا يختمه، وبنا أطعمكم عشب الأرض، وبنا أنزل الله قِطْرَ السماء، وبنا آمنكم الله من الغرق في بحركم ومن الخسف في بركم, وبنا نفعكم الله في حياتكم وفي قبوركم وفي محشركم وعند الصراط وعند الميزان وعند دخولكم الجنان ...)).
(بحار الأنوار26/242)
3- عن محمد بن سنان, عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (... نحن العروة الوثقى ، وبنا فتح الله وبنا ختم الله ... ونحن الجسور والقناطر، ونحن السنام الأعظم.
وبنا ينزل الغيث, وبنا ينزل الرحمة, وبنا يدفع العذاب والنقمة، فمن سمع هذا الهدى فليتفقد في قلبه حبنا, فان وجد فيه البغض لنا والانكار لفضلنا فقد ضل عن سواء السبيل ...). (المصدر المتقدم /259)
4- عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر, عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): (اكتب ما أملي عليك.
فقال: يا نبي الله, أتخاف علي النسيان؟
قال: لست أخاف عليك النسيان, وقد دعوت الله لك أن يحفظك ولا ينسيك، ولكن اكتب لشركائك.
قال: قلت: ومن شركائي يا نبي الله؟
قال: الأئمة من ولدك، بهم تسقى أمتي الغيث، وبهم يستجاب دعاؤهم، وبهم يصرف الله عنهم البلاء، وبهم ينزل الرحمة من السماء، وهذا أوَّلهم وأومأ بيده إلى الحسن بن علي، ثم أومأ بيده إلى الحسين (عليه السلام), ثم قال: والأئمة من ولده).
(المصدر المتقدم 36/232)
وقد تسأل: وهل هناك أحاديث تدل على وساطة الفيض في خصوص الإمام المهدي (ع)؟
الجواب: نعم, فقد جاء في التوقيع الذي رواه إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي, فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام):
(... وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب، وإني لأمانٌ لأهل الأرض كما أن النجوم أمانٌ لأهل السماء ..., وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم ...).
(كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق - 485)
ومحل الشاهد قول الإمام المهدي (ع): (وإني لأمانٌ لأهل الأرض كما أن النجوم أمانٌ لأهل السماء), حيث أنه واضحٌ منه أنه لولاه لما كانت رحمةٌ ولا لطفٌ ربانيٌ ولا فضلٌ ولا فيض.
وقد تسأل: وهل هناك من غير علماء الشيعة من يقول بـ مسألة وساطة الفيض, وكون بعض عباد الله تعالى وسطاء فيضه ولطفه - وإن قيل بذلك في غير الأئمة (ع) - أم أن هذه النظرية تختص بـ علماء الشيعة؟
الجواب: لا تختص بـ علماء الشيعة, ففي علماء السنة من يقول بذلك, وعلى سبيل المثال لا الحصر لاحظ ما قاله الآلوسي (المتوفي سنة 1270ﻫ) في تفسيره (روح المعاني):
(... وكونه صلى الله عليه وسلم رحمةً للجميع باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام واسطة الفيض الإلهي على الممكنات على حسب القوابل، ولذا كان نوره صلى الله عليه وسلم أول المخلوقات، ففي الخبر:
(أول ما خلق الله تعالى نور نبيك, يا جابر).
وجاء: (الله تعالى المعطي, وأنا القاسم).
(روح المعاني 17/105 – ولاحظ 23/63)
وهكذا نخرج بنتيجة: ثبوت الفائدة الثانية لوجود الإمام المهدي (ع) وإن كان غائباً, وهي فائدة أنه واسطة الفيض الإلهي والنعم الربانية, فهو جزءٌ متممٌ للعلة التامة لنزول الفيوضات الربانية على الأرض وعباده, وإن كان الله جلَّ جلاله هو الفياض على العالمين.
ومع وجود هاتين الفائدتين العظيمتين اللتين ذكرناهما لوجوده (ع) يتضح الجواب عن السؤال الذي هو موضوع هذه الحلقات من بحوث (آفاقٌ جديدةٌ), وهو:
(ما هي فلسفة وجود الإمام المهدي (ع) حياً غائباً مع عدم استفادة الناس منه إستفادةً ظاهرة، أليس مثل هذا الوجود عبثيٌ لا فائدة وراءه، وكيف يمكن صدور العبث من الله تعالى؟!).
فقد ثبت أن لا عبث في وجوده, وأن لا عبث في فعل الله تعالى, بل هو عين الحكمة والتدبير والصلاح, وهو مفتاح سعادة الفرد والمجتمع.
نتائج بحوث الفائدة الثانية:
1- أن الفائدة الثانية لوجود الإمام المهدي (ع) غائباً هي أنه واسطة الفيض الرباني.
2- أن وساطة الفيض من خصوصيات جميع أئمة أهل البيت (ع).
3- مجموعةٌ من الروايات الدالة على أنهم وسطاء الفيض الإلهي.
4- تفسيرين لـ وساطتهم للفيض.
5- تحديد فلسفة وساطتهم للفيض.
6- نماذج أخرى من وساطة الفيض منصوصٌ عليها في الكتاب والسنة.
7- شفاعة المقربين من الله تعالى للمذنبين في الآخرة نموذجٌ آخر لوساطة الفيض.
8- عدم ذكر أنهم (ع) وسطاء الفيض الإلهي - في الدنيا - في القرآن وأحاديث الرسول (ص), لو صحَّ فلا يضر بحقانية ذلك وثبوته.
9- إعتراضٌ على إستنتاج وساطتهم للفيض من الأحاديث المستشهد بها, والجواب عن الإعتراض, وإثبات عدم صحة التفسير الأول للأحاديث, وصحة التفسير الثاني وإستنتاج وساطتهم للفيض من ذلك.
10- بيان بعض الأحاديث الواردة في خصوص الإمام المهدي (ع), والدالة على أنه واسطة للفيض الرباني.
11- بيان أقوال بعض علماء المذاهب الأخرى القائلين بأن النبي (ص) واسطة الفيوضات الربانية في الدنيا.
وللجواب صلةٌ في الحلقة القادمة,, |
|