المحاضرات

 

المحاضرات

 


ما هي فلسفة وجود المهدي (ع) غائبا؟؟ (4) / سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي... حفظه الله

تتناول هذه الحلقة الجديدة من نافذة (آفاقٌ جديدة) مواصلة الجواب عن السؤال الذي طرح في الحلقة السابقة, وهو: ما هي فلسفة وجود الإمام المهدي (ع) حياً غائباً، وما هي فلسفة وجوده كذلك مع عدم استفادة الناس منه استفادةً ظاهرة، أليس مثل هذا الوجود عبثيٌ لا فائدة وراءه، وكيف يمكن صدور العبث من الله تعالى؟!
وهذه هي الحلقة الرابعة في متابعة الإجابة عن ذلك السؤال.

الخيار الثالث: الغيبة الكبرى (القيادة الغيابية)
أن يكون الإمام موجوداً حياً يعيش مع غيابه التام عن الحضور المكشوف في المجتمع, لكن مع ممارسة الدور القيادي الناقص غير المكشوف بقدر ما تسمح به الظروف الموضوعية مع رعاية أهم المصالح العامة وأولاها. وهذا هو الحاصل فعلاً, وهو ما يسمَّى بـ عهد (الغيبة الكبرى).
ومما يقرب فكرة هذا الخيار أن غيبة الإمام (ع) لا تشكِّل منقصةً في شخصيته المعنوية أو قيادته الربانية للمجتمع, إذ هي كرعاية الأئمة (ع) - في عصر حضورهم - للتقية من الأنظمة الحاكمة, الأمر الذي كان يمنع من ممارستهم لدورهم القيادي بشكلٍ تامٍ وشاملٍ, فهل كانت تقيتهم تنتقص من شخصيتهم المعنوية أو قيادتهم الربانية للمجتمع؟
كلا, إذ التقية مبدءٌ يعمل به جميع عقلاء العالم حتى من ينكرها أو يستنكرها, ولا منقصة فيها ولا حزازة, وإنما المنقصة في ترك العمل والأخذ بها عند وجود مقتضياتها.
وكذك هي الغيبة الكبرى لأنها ليست إلا رعايةً للتقية لكن في نطاقٍ أوسع وأشمل وأطول.
وقد تسأل: وكيف يمارس القيادة وهو غائب؟
والجواب: المقصود الممارسة بقدر ماتسمح به الظروف الموضوعية مع رعايته لما تجب رعايته له من عدم الانكشاف وبقائه مستوراً, وعليه:
1- فيمكنه توجيه رموز الأمة وغيرهم من خلال الإلتقاء بهم دون أن يعرفونه, ومن ثم توجيههم ونصحهم ودفعهم نحو ما فيه مصلحة الأمة ولو من خلال إلقاء الأفكار والاقتراحات عليهم. ولا يمنع عن ذلك مانعٌ, بل إننا نجد بعض الأمثلة المشابهة له في القرآن الكريم, حيث يقول الله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا، قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ...). (الكهف/65-72).
ففي هذه القصة التي وقعت بين النبي موسى (ع) وبين ذلك العبد الصالح (ع) الذي كان وليَّاً من أولياء الله تعالى - كما هو واضحٌ من قوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) - قام ذلك الوليُّ الصالح الخضر (ع) بتوجيه موسى (ع) وإرشاده وتسديده دون أن يعرفه موسى (ع) أو يعرف مقامه ومرتبته عند الله مع أنه (موسى) كان من أكبر أنبياء الله تعالى, ودون أن يعرف وجه المصلحة في أفعاله من خرق السفينة وبناء الجدار و....
فإذا كان ذلك ممكناً في ذلك الوليُّ الصالح فلماذا لا يكون ممكناً في المهدي المنتظر (ع)؟
2- ويمكنه توجيه رموز الأمة وغيرهم من خلال بعث اُناسٍ إليهم للالتقاء بهم دون أن يعرف الأمر على أنهم مرسولون من قبله, ومن ثم يتم التوجيه والنصح والدفع نحو ما فيه مصلحة الأمة, ولو من خلال عرض الأفكار والاقتراحات عليهم, فما المانع من ذلك ولمَ لا يقوم به؟

3- هذا, مع أن فرض غيبة الإمام الكبرى والتامة إنما تقتضي غيبته عن عموم الناس, وأما الخواص الخُلَّصْ الأتقياء من العلماء وغيرهم, وهكذا المتوسلين المنقطعين إليه فليس من الممنوع أن يلتقوا به, بل هناك الكثير من القضايا التي تؤكد وقوع ذلك كثيراً, وتوجيهه وإرشاده (ع) ودعائه لهم, وحلِّه لمشكلاتهم, ومن ثم قد يعود خير ذلك وفائدته إلى عموم الناس بواسطة هؤلاء وعن طريقهم. (لاحظ كتاب الكافي 1/329-332. ولاحظ كتاب بحار الأنوار الجزء 52/ص1- 89, وص159-180 - و ج53/200- 336).
وقد تسأل: وكيف يمكننا أن نتأكد من أنه يمارس هذا الدور بالفعل؟
والجواب: أنه من الواضح أن القيام بمثل هذا الدور - في حدِّ نفسه - ليس أمراً مستحيلاً بل هوممكنٌ جدَّاً, وإذا كان ممكناً فلماذا لا يقوم به, ولماذا تحرم البشرية من ذلك؟ وإذا كان ممكناً فلا يحتمل في حكمة الباري تعالى أن يتأخر في إسعاد البشرية بقيادة الإمامة المعصومة ولو بهذا المقدار, ومع إمكانه فليس من الحكمة الإلهية حرمان البشرية من ذلك الفيض والرحمة.
وفي روايات النبي وأهل البيت (ع) أيضاً إشارات ٌواضحة إلى أن الإمام يمارس هذا الدور, وعلى سبيل المثال نشير إلى ثلاثة أنواعٍ من الروايات:

النوع الأول: روايات أن المهدي (ع) بمثابة الشمس
وهي رواياتٌ كثيرة مرويةٌ عن النبي وأهل البيت (ع) جعلت الإمام بالنسبة إلى الناس - في زمان غيبته - بمثابة الشمس التي تكون خلف السحاب, ومنها رواية الإمام الصادق (ع) لما سئل: فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟
قال: (كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السَّحاب). (بحار الأنوار52/92).
وهناك رواياتٌ أخرى كثيرةٌ بنفس المضمون تجدها في نفس الموضع.
ومفاد هذه الروايات أن هناك فائدةٌ لوجوده (ع) وإن كان في الغيبة بل أعظم الفائدة, بل إنّ وجوده بالنسبة إلى الناس كوجود الشمس بالنسبة إلى الكون والكرة الأرضية ومن عليها, وكما لا حياة للكون بدون الشمس كذلك لا حياة للناس بدون وجوده (ع).
وكما أن الشمس عند كونها خلف السحاب لا ترى لكنها لا تتوقف عن دورها في الكون ولا تتوقف فوائدها, نعم قد تفوت بعض فوائدها بسبب السحاب, كذلك الإمام (ع) في حال غيبته لا تتوقف فوائده ولا يتوقف دوره الأساسي, وبما أن الدور الأساسي للإمام هو القيادة وتوجيه الأمة والمجتمع فهذا هو الدور الذي يمارسه في حال غيبته أيضاً, نعم سيخسر المجتمع عند غيبته تلك الفوائد المتوقفة على حضوره المباشر بين الناس, لكنه يستمر في دوره القيادي الذي هو دوره الأساسي, كما أن الشمس خلف السحاب تستمر في دورها الأساسي في الكون ولا تتوقف عن ذلك بسبب كونها خلف السحاب.
وإنما كانت خسارة حضوره المباشر مقبولةً بسبب لزوم رعاية مصلحةٍ أهم من هذه الخسارة, وهي المحافظة على وجود الإمام وحياته وسلامته إلى حين توفر الأرضية المناسبة لظهوره (ع).

النوع الثاني: روايات أن الأرض لا تخلو عن إمامٍ وهادٍ ومرشدٍ للناس
وهي رواياتٌ كثيرةٌ مرويةٌ عن النبي (ص) وأهل البيت (ع), وقد جائت بتعابيرٍ مختلفةٍ تتلخص في أن الأرض لا يمكن أن تخلو عن حجةٍ لله تعالى, وأنها لا تخلو عن مرشدٍ وهادٍ للناس, وأن هذا هو مقتضى العدل الإلهي, وغير ذلك من التعبير, ويمكنك أن تجد قسماً كبيراً من هذه الروايات في باب الاضطرار إلى الحجة من كتاب بحار الأنوار (ج23/2-56).
ومن جملة تلك الروايات رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال:
(إن الله أجلَّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمامٍ عدلٍ). (بحار الأنوار (23/42). والذي يتنافى مع جلال وعظمة الله تعالى إنما هو أن تخلو الأرض من الإمام الذي يقوم بتوجيه وإرشاد الناس وقيادتهم - لأن البشرية تحتاج إلى الإمام والقائد المرشد والهادي للوصول إلى السعادة - لا الإمام الذي لا يقوم بقيادة وتوجيه الناس.
ويمكنك الوقوف على بقية الروايات في نفس الباب المشار إليه.

النوع الثالث: روايات حضوره بين الناس في الحج ومختلف الأماكن
الروايات التي تفيد أن الإمام المهدي (ع) يعاشر الناس ويحضر الحج في كلَّ سنةٍ, ويحضر في أسواقهم ويطأ بُسُطَهُمْ ولكنهم لا يعرفونه.
وعلى سبيل المثال:
1- حديث محمد بن عثمان العمري (قدس الله روحه) الذي قال فيه:
(إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلَّ سنةٍ يرى الناس ويعرفهم, ويرونه ولا يعرفونه). (بحار الأنوار51/350).
2- رواية سدير الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:
(إن في صاحب هذا الامر شبهاً من يوسف (عليه السلام)).
قال: قلت له: كأنك تذكره حياته أو غيبته؟
قال: فقال لي: (وما ينكر من ذلك؟!..., إن إخوة يوسف (عليه السلام) كانوا أسباطاً أولاد الأنبياء تاجروا يوسف، وبايعوه وخاطبوه، وهم إخوته وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتى قال: (أنا يوسف وهذا أخي).
فما تنكر هذه الأمة ... أن يفعل الله عز وجل بحجته في وقتٍ من الأوقات كما فعل بيوسف، إن يوسف (عليه السلام) كان إليه ملك مصر, وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد أن يعلمه لقدر على ذلك، لقد سار يعقوب (عليه السلام) وولده عند البشارة تسعة أيامٍ من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأمة أن يفعل الله عز وجل بحجته كما فعل بيوسف، أن يمشي في أسواقهم ويطأ بُسُطَهُمْ حتى يأذن الله في ذلك له كما أذن ليوسف، (قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف)).
(الكافي - الشيخ الكليني - 1/336 - 337).

فهاتان الروايتان وأمثالهما تدلان على أن الإمام قريبٌ من الناس معاشرٌ لهم في كل مكانٍ لائقٍ..., فإذا كان كذلك فما الذي يمنع من أن يقوم بتوجيه الناس وإرشادهم دينياً وسياسياً... وفي أمورهم الخاصة, وأن يسعى لحفظ معالم الدين والشريعة من التحريف والتشويه والضياع قدر الإمكان؟
وقد تسأل: ولماذا لا يكون حاضراً بين الناس - كما كان في عصر حضور الأئمة (ع) - لإصلاح المجتمع وتوجيهه ولو جزئياً, حيث أنه من الواضح أن القدر الذي يمكن تحقيقه من الإصلاح والتوجيه في حال الحضور - ولو مع رعاية التقية كما كان في عصر حضورهم - لا يمكن تحقيقه في حال الغيبة؟

والجواب: إننا أوضحنا قبل قليلٍ أنه لو كان ذلك الوضع القيادي الحضوري قابلاً للاستمرار, وكان هو الوضع الأفضل للأمة والمجتمع لما كان من الممكن في حكمة الباري تعالى ولطفه بعباده أن يتأخر في إسعاد البشرية بقيادة الإمامة المعصومة ولو بالشكل الناقص الذي كان, لكن عدم استمراره يكشف عن أحد أمرين:
إما أن ذلك لم يكن ممكناً, أو لم يكن هو الخيار الأفضل لمصلحة المجتمع البشري في عصر الإمام المهدي (ع).

وقد أوضحنا توضيحاً تحليلياً تاريخياً في الحلقتين الماضيتين عن جواب هذا السؤال أن استمرار ذلك الوضع لم يكن ممكناً, بل أوضحنا أن استمرار الوضع القيادي الذي كان قائماً في عصر الغيبة الصغرى أيضاً لم يكن ممكناً, إذ لو كان ممكناً وكان هو الخيار الأفضل للمجتمع البشري فلا شك في أنه كان سيستمر كما هو مقتضى اللطف الإلهي ورحمته الربانية للأمة, لكنه لم يكن ممكناً, أو على الأقل لم يكن هو الأفضل, مما أوجب الإنتقال إلى المرحلة اللاحقة في العمل القيادي, وهو خيار الغيبة الكبرى.

الخيار الثالث هو الخيار الصحيح
وحيث ثبت أن الخيار الثالث ممكنٌ فلا يبقى مجالٌ للخيار الرابع, لأنه يستلزم حرمان المجتمع من فيض قيادته ولو بالشكل الناقص الذي يمكن تحقيقه وإنجازه مع غيبته الكبرى, وبما أن هذا الحرمان غير مبررٍ فلا يمكن حصوله وصدوره من الله جلَّ وعلا.
وهكذا نستنتج أن الخيار الثالث ليس ممكناً فحسب, بل هو المتعين والواجب فلسفياً, وهو الذي تعتقد الشيعة الإمامية بحصوله فعلاً, إذ تعتقد بأن الإمام المهدي (ع) حيٌّ موجودٌ مطلعٌ على وضع الأمة ويقود المجتمع بقدر ما تسمح به ظروف الغيبة التامة.
كما نستنتج ويتضح أن الغيبة التامة ليست بمثابة عدم تولُّدْ الإمام ووجوده في عدم الفائدة للامة والمجتمع, بل لوجوده حتى غائباً بركاتٌ عظيمةٌ على مستوى قيادة المجتمع.
هذا فضلاً عن بقية المستويات الممكنة, كالدعاء للمؤمنين في حوائجهم الشخصية وإغاثة الملهوفين والمضطرين والمتوسلين..., كما تؤكد تلك الدعوات والإغاثات القضايا الموثوقة الأكيدة التي وقعت للكثيرين من المؤمنين والعلماء مما لا مجال للتشكيك في صحتها لمن يطلع عليها اطلاعاً دقيقاً صحيحاً. (لاحظ كتاب الكافي 1/329-332. ولاحظ كتاب بحار الأنوار الجزء 52/ص1- 89, وص159-180 - و ج53/200- 336).
وهكذا تبين أن لا مجال لقياس الخيار الثالث إلى الرابع وجعلهما بمثابةٍ واحدةٍ في الفائدة وعدمها.

والنتيجة والخلاصة: أن الخيار الرابع لا مجال له في ظل إمكان الخيار الثالث.



للجواب صلةٌ في الأعداد القادمة

 
 
 
 
 

2008 جميع الحقوق محفوظة لدى مكتب الشيخ حسين النجاتي، تصميم وتطوير نيما

 

التقويم والأوقات الشرعية

|

اللقاءات

|

مواقع مفيده

|

مزارات البحرين

|

إتصال بنا