المحاضرات

 

المحاضرات

 


ما هي فلسفة وجود المهدي (ع) غائبا؟؟ (7) / الأئمة (ع) وسطاء الفيض الإلهي / سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي... حفظه الله

تتناول هذه الحلقة الجديدة من نافذة (آفاقٌ جديدة) مواصلة الجواب عن السؤال الذي طرح في مجموعةٍ من الحلقات السابقة, وهو: ما هي فلسفة وجود الإمام المهدي (ع) حياً غائباً مع عدم استفادة الناس منه إستفادةً ظاهرة، أليس مثل هذا الوجود عبثيٌ لا فائدة وراءه، وكيف يمكن صدور العبث من الله تعالى؟!
وهذه هي الحلقة السابعة في متابعة الإجابة عن ذلك السؤال.

بدأنا في الحلقة السابقة في بيان الفائدة الثانية من فوائد وجود الإمام (ع) الحي وإن كان غائباً, وقلنا في بيان ذلك:
(أن وجود الإمام في حدِّ نفسه وإن كان غائباً ضروريٌ لبقاء نظام الوجود والحياة الإنسانية في الأرض, فهو واسطة الفيض الإلهي, أي أن جميع الفيوضات والنعم الإلهية إنما تكون بواسطته, ولولاه لم تكن هناك حياةٌ لأرضٍ ولا إنسانٍ).

وقلنا: إن هذه الفائدة ثابتةٌ بـ إخبار العالمين بالغيب, أي أننا بواسطة إخبار أهل البيت (ع) علمنا بذلك, وإلا فالعقل لا سبيل له إلى درك وفهم توقف حياة الإنسان والأرض على وجود الإمام المعصوم (ع), وكونه واسطة الفيض.
وقلنا: بأن الأحاديث الدالة على ذلك كثيرةٌ جدَّاً, لكننا اكتفينا بذكر أحاديث أربعةٍ فقط.
ثم طرحنا هذا السؤال: ما المقصود بـ (أنهم وسطاء الفيض والرحمة الربانية) بشكلٍ دقيقٍ؟ ووعدنا بالإجابة عليه في هذه الحلقة.

الجواب: يمكننا الإشارة الى إحتمالين أساسيين في تفسير هذا المفهوم المستفاد من الأحاديث الكثيرة:
1- أنه لولا أن الإرادة الإلهية تعلقت بإيجادهم (ع) في الأرض لما حصلت الفيوضات الربانية ولما أفاض الله تعالى بها على عباده، فوجودهم هو سرّ الإفاضة والإنعام، وبما أن إرادته الأزلية تعلقت بوجودهم في الأرض لذا يتفضل الله تعالى بنعمه على عباده.
2- أن النعم الإلهية إنما تصل إلى العباد عن طريقهم (ع)، أي أنهم هم المفوضون, أو هم الواسطة, أو هم جزء العلة التامة, في وصول النعم إلى الناس والخلق. فالنعم الإلهية عن طريقهم أو بواسطتهم تصل إلى العباد ولكن بنظامٍ لا يشعر به الناس.
وهذا التفسير يمكن تعميقه بأكثر من وجه، لكننا لسنا بصدد ذلك الآن.

لكن سيأتي تعميق لهذين التفسيرين في نهاية هذه الحلقة من الجواب.


والجامع بين الإحتمالين والتفسيرين أنه لولا الأئمة (ع) لما كانت هناك نعمٌ وفيوضات ربانية, فهم شرطٌ لإستمرار الحياة في هذه الأرض.

وهل لا يمكن أن يكون النظام الذي فرضه الله للوجود في هذه الأرض بهذا الشكل؟ وما المحذور فيه، وما الإستحالة فيه؟

وقد تسأل وتقول: صحيحٌ ليس بمستحيل، لكن ما الداعي له وما الفائدة منه، وهل الله عاجزٌ عن أن يوصل نعمه إلى عباده بدون واسطتهم؟
الجواب: أنه ليس عاجزٌ عن ذلك، ولكن له في جعلهم وسطاء لفيضه هدفٌ وداع، وهذا مشهودٌ حتى في حياة العقلاء، ألا تشاهدون كثيراً أن الرئيس أو المسؤول... مع أنه قادرٌ على إنجاز عملٍ من الأعمال بشخصه لكنه يكلف بعض مرؤوسيه بإنجاز ذلك العمل بهدف إبراز مقام أو قرب ذلك المسؤول إليه، أو بهدف إبراز وإظهار لياقة ذلك المسؤول، أو ما شابه ذلك من الأهداف العقلائية التي يستهدفها العقلاء في مثل هذه الحالات.
فما المانع في أن يكون الهدف الرباني من جعل الأئمة (ع) واسطة الفيض أيضاً أن يبين مقامهم وقربهم وكرامتهم عند الله تعالى، فيجعلهم واسطة فيضه، ويبين ذلك للناس حتى يتوجه الناس نحوهم, ويستضيئوا بنور علمهم ووجودهم, ويهتدوا بذلك إلى الصراط المستقيم وأسباب سعادتهم في الدنيا والآخرة، وإلى الرضوان الإلهي.
فيكون الغرض دفع الناس وتوجيههم نحو الإلتفاف حول الأئمة (ع), والإستماع والطاعة لهم في كل شيء, لكونهم موضع عناية الله وسرِّ فيضه ورحمته، فلا يرشدون إلى ضلالٍ ولا يدفعون نحو فساد، وإنما يرشدون إلى الهدى والفلاح وما فيه رضا الله تعالى.
وكما مضى قبل قليلٍ هذا حاصل حتى في حياة العقلاء والرؤساء لدواعٍ وأهدافٍ عقلائية.
فالهدف الرباني من جعلهم واسطة الفيض هو إبراز مقامهم وكرامتهم عند الله، وذلك لشدة عبوديتهم وطاعتهم وفناءهم في الله تعالى، وكل ما كان العبد أشد طاعةً وعبوديةً له تعالى كان أقرب إليه، وكلما كان أقرب إليه كان أقرب إلى عناية الله تعالى وشدة لطفه به.

وهكذا نصل إلى نتيجة: أن كونهم واسطة الفيض ليس بمستحيلٍ, وليس خالٍ عن الهدف الصحيح, وليس خالٍ عن الداعي الملزم. بل إن كون بعض عباد الله تعالى واسطة فيضه ثابتٌ بالقرآن الكريم، وذلك في مسألة الشفاعة، قال تعالى:
1- (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ). (البقرة/255).
2- (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ). (الأنبياء/28).
وغير ذلك من الآيات الكثيرة.
وقد ذكرت مسألة الشفاعة ايضاً في عشراتٍ من الأحاديث النبوية الشريفة.
ألا يستفاد من هذه الآيات والأحاديث أن في يوم القيامة سيغفر الله تعالى لجمعٍ من عباده العاصين بعد شفاعة بعض المقربين إليه كالأنبياء والأئمة (ع)؟
ألم يكن من الممكن لله تعالى أن يغفر لهم بدون شفاعة ووساطة هؤلاء؟

قد تقول: قبل الشفاعة لا يكون العصاة مسحقين للمغفرة لكن بعد الشفاعة يدخل عنصرٌ جديدٌ في الموضوع, وهو انضمام الشفيع إلى المذنب في طلب الرحمة, فيتغير الموضوع الأولي إلى موضوعٍ جديدٍ يستحق الرحمة والمغفرة، فبعد أن لم يكن مستحقاً لهما أصبح محلاً مناسباً لهما.
لكن هذا يختلف عن وساطة الفيض في الدنيا، حيث هل يمكن أن نقول بأن عامة الناس لا يستحقون النعم والفيوضات إلاّ إذا كان للأئمة (ع) وجودٌ، وهل يمكن القول بأن كل البشرية - وفيهم الصلحاء والعُبّاد والمطيعين والمستغفرين بالأسحار وقائمي الليل وصائمي النهار - لا يسوون شيئاً ولا أهلية لهم لأن يتفضل الله تعالى عليهم بنعمةٍ وعناية, إلا ببركة وجود الأئمة (ع)؟
الجواب: الهدف من ذكر مثال الشفاعة كان أصل إثبات فكرة وساطة الفيض لا دعوى التطابق والتشابه التام. فبالنسبة إلى عالم الآخرة والشفاعة قد يكون العفو والمغفرة بعد الشفاعة لتغير الموضوع, وحصول أهلية المغفرة بعد أن لم تكن.
لكن الموضوع بالنسبة إلى الدنيا ليس بهذا الشكل، إذ جَعْلُهُمْ وسطاء الفيض يكون لإبراز مقامهم وكرامتهم عند الله تعالى، من دون الإنتقاص من كرامة وعزة وشرافة عامة الناس، وإنما المقصود إظهار تَمَيُّزِهِم عن عامة البشرية. وهذا هدفٌ عقلائي.
بل قد يمكن القول أن الأمر بالنسبة إلى عالم الآخرة والشفاعة أيضاً كذلك، فالهدف هو إبراز تَمَيُّزْ الشفعاء وكرامتهم عند الله بالنسبة إلى عامة الخلق، وإلاّ فالرحمة الإلهية الواسعة تسع أن يغفر للعاصين حتى من دون شفاعة أحد.
والنتيجة: أن فكرة وساطة الفيض الرباني ثابتةٌ بالقرآن وإن كان ضمن مفردةٍ أخرى، وهي الشفاعة للعاصين.
وإذا كانت ثابتةً بالقرآن، وكانت ممكنةً في عالم الآخرة، فلم لا تكون جائزةً في عالم الدنيا وضمن مفردة كون الأئمة (ع) وسطاء الفيض الرباني في الدنيا، أليس حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد؟
وقد تسأل: قلتم الهدف من وساطتهم للفيض إبراز تَمَيُّزِهِم عن عامة الخلق في الكرامة الربانية, حتى يتم بذلك دفع الناس نحو الإلتفاف حولهم والإستضاءة بنور علمهم وهدايتهم، إذن لماذا لم يتم بيان ذلك وأنهم وسطاء الفيض في القرآن وكلام الرسول (ص)؟
الجواب: إنه على تقدير عدم كون ذلك مذكوراً في القرآن وأحاديث الرسول (ص) - ولو بالإشارة - فجوابه: أن ذلك لا يضر الأمر شيئاً ما دام أن ذلك مذكورٌ بشكلٍ واسعٍ في أخبار أهل البيت (ع) الذين أمرنا الله ورسوله (ع) بإتباعهم وتصديقهم.

وكم من القضايا الحقة مماّ يتعلق بالأمور الإعتقادية أو فروع الدين أو غير ذلك مماّ لم يرد ذكرها في القرآن وأحاديث الرسول (ص)، وإنما تم بيانها بشكلٍ تدريجي من ناحية أئمة أهل البيت (ع)، فهل ضرَّ ذلك بحقانيتها، وهل لا يجب إتباعهم فيها؟

ومن الواضح أن مصلحة التدرج في بيان الأصول الإعتقادية وفروع الدين إقتضت بيان هذه الحقائق بشكلٍ تدريجي.
وقد كان نفس الرسول (ص) أيضاً مراعياً لعملية التدرج في بيانه لتلك الأمور. كما أن أئمة أهل البيت (ع) أيضاً لم يذكروا ما ذكروه دفعةً واحدة، وإنما ذكروه متدرجاً وفيما يزيد على قرنين من الزمان.
وقد تسأل: وما فائدة إبراز تَمَيُّزِهِم عن عامة الناس في القرب إلى الله والكرامة عنده بحيث جعلهم وسطاء فيضه، ما فائدة بيان ذلك للناس في عالم الدنيا، أي ما الذي يستفيده الناس من بيان ذلك لهم في عالم الدنيا
الجواب: الفائدة كبيرةٌ، وقد أشرنا إلى ذلك قبل قليل، حيث أن الهدف الأساس من ذلك ليس لسد حاجةٍ وهدفٍ لنفس الأئمة (ع)، وإنما لكي يستفيد الناس من ذلك, من خلال أن بيان ذلك لهم يعتبر دليلاً واضحاً على مدى قربهم وكرامتهم ومنزلتهم عند الله، ممّا لا يصل إليه إلاّ من كان راسخاً في طاعة الله تعالى لا يعصيه طرفة عين، وإلاّ من كان راسخاً في معرفة الله وصفاته وأسمائه الحسنى، وإلاّ من كان راسخاً في معرفة شرع الله وكتابه وسنة نبيه (ص)، وإلاّ من كان راسخاً في معرفة أسرار الوجود, وحقيقة الخلق، ومبدء الخلق وخاتمته وظاهره وباطنه و... .
وإذا بُيِّنَ للناس أنهم بهذه المنزلة والمثابة كان ذلك دليلاً واضحاً على أمر الله تعالى بإتباعهم وتصديقهم, وجعلهم أئمةً يقتدى بهم ويتأسى بأفعالهم ويمتثل لأقوالهم. ومن لا يدرك ذلك إلاّ من كان قلبه وعقله في غشاوةٍ ظلماء أو عصبيةٍ نكراء.

الإستنتاج:
وإذا ثبت أنهم وسطاء الفيض الإلهي ثبت أنه لا يمكن بقاء الوجود والحياة في هذه الأرض للإنسان وغير الإنسان دون وجود إمامٍ معصوم (ع) في كل زمانٍ حاضرٍ أو غائب، وإلاّ لساخت الأرض بأهلها كما جاء في الأحاديث الكثيرة.
وعليه ففي زماننا هذا حيث لا يوجد إمامٌ معصومٌ حاضر فلا بدّ من وجود إمامٍ معصومٍ غائب، يكون هو واسطة الفيض الرباني, ولولاه لساخت الأرض بأهلها.
فهذه هي الفائدة الثانية لوجود الإمام المهدي (ع) مضافاً إلى الفائدة الأولى التي شرحناها في البحوث والحلقات السابقة.
وخلاصة الفائدة الثانية: أن المهدي (ع) واسطة الفيض الرباني، وعدم وجوده يعني عدم وجود ممر وواسطة الفيض والنعم الإلهية، مماّ يعني نهاية الحياة في الأرض.
فلو لم تكن لوجوده غائباً فائدةٌ غير هذه الفائدة لكفى، على أن له فائدةٌ عظيمةٌ أخرى أيضاً كما تقدم شرح ذلك.
وقد تعترض وتقول: هذه الفائدة الثانية لوجود المهدي (ع) إنما أُريد إستنتاجها من الأحاديث التي دلّت على أنهم وسطاء الفيض الإلهي، وقد ذكر في مقدمة هذه الحلقة من الجواب تفسيرين لتلك الأحاديث، وهما:
1- أنه لولا أن الإرادة الإلهية تعلقت بإيجادهم (ع) في الأرض لما حصلت الفيوضات الربانية ولما أفاض الله تعالى بها على عباده، فوجودهم هو سرّ الإفاضة والإنعام، وبما أن إرادته الأزلية تعلقت بوجودهم في الأرض لذا يتفضل الله تعالى بنعمه على عباده.

2- أن النعم الإلهية إنما تصل إلى العباد عن طريقهم (ع)، أي أنهم هم المفوضون, أوهم الواسطة في وصول النعم إلى الناس والخلق. فالنعم الإلهية عن طريقهم تصل إلى العباد ولكن بنظامٍ لا يشعر به الناس.

ولا يصح هذا الإستنتاج على شيء من التفسيرين:
1- أماّ عدم صحته على التفسير الأوّل: فلأنه بناءً على هذا التفسير يكون وجودهم شرطاً لحصول الفيض الرباني، أي أصل وجودهم, وليس وجودهم في جميع أدوار الزمان ولحظةٍ بلحظة، فالمقصود أنه بما أن الله أراد إيجادهم لذا أفاض على العباد بنعمه، فالفيض يمكن أن يحصل حتى قبل وجودهم, وحتى في فترات عدم وجود أحدٍ منهم, ما دام أن أصل وجودهم في الخلق ضمن برنامج الخلق الإلهي، وما دام أنه سيخلقهم قطعياً، فالمهم أنه ما دام سيخلقهم فالفيض يحصل وإن لم يخلقوا بعد، أو كانت هناك فترةٌ خاليةٌ عنهم.

ولذا في آلاف السنين قبل خلقهم ألم يكن الفيض الرباني جارياً على عباده، وألم تكن الحياة قائمةً في الأرض ولم يكن لهم وجودٌ بعد؟

فمن ذلك نفهم أن المقصود بتلك الأحاديث قد يكون أن أصل وجودهم سببٌ لحصول الفيض الرباني، وإن لم يكن لهم وجودٌ في بعض الأزمان فلا يمنع ذلك من إستمرار الفيض.

وللجواب صلةٌ في الحلقة القادمة

 
 
 
 
 

2008 جميع الحقوق محفوظة لدى مكتب الشيخ حسين النجاتي، تصميم وتطوير نيما

 

التقويم والأوقات الشرعية

|

اللقاءات

|

مواقع مفيده

|

مزارات البحرين

|

إتصال بنا