المحاضرات

 

المحاضرات

 


ما هي فلسفة وجود المهدي (ع) غائبا؟؟ (8) / الأئمة (ع) وسطاء الفيض الإلهي / سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي... حفظه الله

عن الإمام زين العابدين السجَّاد (ع): (كُلنا واحدٌ من نورٍ واحدٍ , وروحنا من أمر الله ، أوَّلنا محمدٌ وأوسطنا محمدٌ وآخرنا محمدٌ وكُلنا محمد)
(بحار الأنوار 26 /16)

تتناول هذه الحلقة الجديدة من نافذة (آفاقٌ جديدة) مواصلة الجواب عن السؤال الذي طرح في مجموعةٍ من الحلقات السابقة, وهو: ما هي فلسفة وجود الإمام المهدي (ع) حياً غائباً مع عدم استفادة الناس منه إستفادةً ظاهرة، أليس مثل هذا الوجود عبثيٌ لا فائدة وراءه، وكيف يمكن صدور العبث من الله تعالى؟!
وهذه هي الحلقة الثامنة في متابعة الإجابة عن ذلك السؤال.


وقد تعترض وتقول: هذه الفائدة الثانية لوجود المهدي (ع) إنما أُريد إستنتاجها من الأحاديث التي دلّت على أنهم وسطاء الفيض الإلهي، وقد ذكر في مقدمة الحلقة السابقة من الجواب تفسيرين لتلك الأحاديث، وهما:

1- أنه لولا أن الإرادة الإلهية تعلقت بإيجادهم (ع) في الأرض لما حصلت الفيوضات الربانية ولما أفاض الله تعالى بها على عباده، فوجودهم هو سر الإفاضة والإنعام، وبما أن إرادته الأزلية تعلقت بوجودهم في الأرض لذا يتفضل الله تعالى بنعمه على عباده.

2- أن النعم الإلهية إنما تصل إلى العباد عن طريقهم (ع)، أي أنهم هم المفوضون, أوهم الواسطة في وصول النعم إلى الناس والخلق. فالنعم الإلهية عن طريقهم تصل إلى العباد ولكن بنظامٍ لا يشعر به الناس.

ولا يصح هذا الإستنتاج على شيء من التفسيرين:
1- أماّ عدم صحته على التفسير الأوّل: فلأنه بناءً على هذا التفسير يكون وجودهم شرطاً لحصول الفيض الرباني، أي أصل وجودهم, وليس وجودهم في جميع أدوار الزمان ولحظةٍ بلحظة، فالمقصود أنه بما أن الله أراد إيجادهم لذا أفاض على العباد بنعمه، فالفيض يمكن أن يحصل حتى قبل وجودهم, وحتى في فترات عدم وجود أحدٍ منهم, ما دام أن أصل وجودهم في الخلق ضمن برنامج الخلق الإلهي، وما دام أنه سيخلقهم قطعياً، فالمهم أنه ما دام سيخلقهم فالفيض يحصل وإن لم يخلقوا بعد، أو كانت هناك فترةٌ خاليةٌ عنهم.
ولذا في آلاف السنين قبل خلقهم ألم يكن الفيض الرباني جارياً على عباده، وألم تكن الحياة قائمةً في الأرض ولم يكن لهم وجودٌ بعد؟

فمن ذلك نفهم أن المقصود بتلك الأحاديث قد يكون أن أصل وجودهم سببٌ لحصول الفيض الرباني، وإن لم يكن لهم وجودٌ في بعض الأزمان فلا يمنع ذلك من إستمرار الفيض.


وأماّ عدم صحته على التفسير الثاني فلـ ملاحظتين:
الأولى: أن مقتضى هذا التفسير أن الفيوضات الربانية إنما تكون عن طريقهم فهم واسطة وصول النعم إلى الخلق، وأقصى ما يقتضيه هذا هو أنهم عند تحقق وجودهم الجسماني في الدنيا فالنعم تكون عن طريقهم، لكنه لا يدل على نفي حصول الفيض الرباني عند عدم وجودهم.
ونتيجة عدم الدلالة هذه: إنه مع عدم وجودهم فلا يكون الفيض عن طريقهم.
والشاهد على أن هذا المعنى هو المراد:
أن في عصر ما قبل خلقهم كانت الفيوضات الربانية جاريةً على الخلق مع أنهم لم يخلقوا بعد.

فلا يمكن الإستنتاج من هذه الأحاديث أنه لو لم يمكن لهم وجودٌ في زمانٍ فلا استمرار للنعم والفيض الرباني، حتى يستنتج منه ضرورة وجود المهدي (ع) في هذا الزمان، وإن وجوده ذي فائدةٍ حتى إذا كان غائباً, وذلك على أساس عدم إمكان خلو الزمان منهم.

الثانية: إنه حتى مع قطع النظر عن الملاحظة الأولى يمكن أن نجيب عن التفسير الثاني بأن هناك أحاديثٌ كثيرةٌ تدل على أن الله تعالى خلقهم قبل أن يخلق الخلق. (لاحظها في كتاب بحار الأنوار25/1 - 33).
ومن جملة تلك الأحاديث ما روي عن المفضل قال: قال الصادق (عليه السلام): (إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام, فهي أرواحنا).
فقيل له: (يا بن رسول الله, ومن الأربعة عشر)؟
فقال: (محمدٌ, وعليٌ, وفاطمةٌ, والحسن, والحسين, والأئمة من ولد الحسين (عليهم السلام)، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال, ويطهر الأرض من كل جورٍ وظلم). (بحار الأنوار 25/16,15)
وجاء في رواية جابر بن يزيد الجعفي أنه قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام): (يا جابر, كان الله ولا شئ غيره ولا معلوم ولا مجهول ، فأول ما ابتدأ من خلقٍ خلقه أن خلق محمداً (صلى الله عليه وآله) وخلقنا أهل البيت معه من نوره وعظمته، فأوقفنا أظلةً خضراء بين يديه، حيث لا سماءٍ ولا أرضٍ ولا مكانٍ ولا ليلٍ ولا نهارٍ ولا شمسٍ ولا قمرٍ, يُفْصَلُ نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس، نسبح الله تعالى ونقدسه ونحمده ونعبده حق عبادته...). (المصدر المتقدم /ص17)
وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
ومن الممكن أن يكون الوجود الخاص الثابت لهم من قَبْلِ خلق الدنيا وما فيها هو واسطة الفيض الرباني دائماً أو في فترات عدم وجودهم المادي في الدنيا. أي أن يكون ذلك الوجود هو ممر الفيض الرباني مع عدم وجودهم في الدنيا.
فلا يمكننا إستنتاج ضرورة وجودهم الدنيوي منذ زمان أمير المؤمنين (ع) إلى آخر الدنيا, وذلك بحجة أنهم وسطاء الفيض الإلهي, إذ لم يتضح أنهم هل بوجودهم الدنيوي الجسماني وسطاءٌ للفيض أم بوجودهم الظلي السابق على وجود الدنيا, فمن الجائز أنهم بوجودهم السابق على الدنيا وسطاءُ الفيض, والأحاديث التي دلّت على أنهم وسطاءُ الفيض - والتي ذكرنا بعضها في الحلقة السابقة - لم تدل على أكثر من أنهم وسطاءُ الفيض, وأما أنهم بأيِّ وجودٍ وسطاؤه فلم يحدد فيها.

وهكذا نصل إلى نتيجة: أن الإستدلال بهذه الأحاديث المبينة لكونهم وسطاءُ الفيض الإلهي لإثبات وجود الفائدة لوجود المهدي (ع) غائباً - بإعتبار كونه مجرىً للفيض الإلهي وواسطةً للنعم الربانية - غير صحيحٍ وليس تاما.
والجواب:
1- أن التفسير الأوّل إنما ذكرناه كـ إحتمال، وهو إحتمالٌ غير صحيحٍ في حدَّ نفسه، وذلك لأنه:
أوَّلاً: لو كان المقصود ذلك وأنه لولا أن الله كان قد أراد خلقهم لما أفاض الله تعالى بالنعم على العباد...، لكان المفروض أن يقال في الأحاديث التي بينت كونهم وسطاء الفيض: (أنه لولا أن الله أراد خلقهم لما خلق الخلق)، لا أن يقال كما جاء في نصوص الأحاديث:
أ- (بكم ينزل الغيث).
ب- (وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض الا بإذنه).
ت- (وبنا يمسك الأرض ان تميد بأهلها).
ث- (وبنا ينشر الرحمة, ويخرج بركات الأرض).
ج- (وبهم يُمْهل أهل المعاصي ولا يعجل عليهم بالعقوبة والعذاب).
ح- (وبكم تنبت الأرض أشجارها).
خ- (وبكم تخرج الأشجار أثمارها).
د- (وبكم تنزل السماء قطرها ورزقها).
ذ- (وبكم يكشف الله الكرب).
ر- (وبكم تسبِّحُ اللهَ الأرضُ التي تحمل أبدانكم، وتستقل جبالها على مراسيها).
ز- (إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم).
(مصادر هذه الفقرات مذكورةٌ في الحلقة السابقة)
وغير ذلك من التعابير التي وردت في الأحاديث المذكورة فراجعها.
حيث أن هذه التعابير وأمثالها لا تدل على أنه لولا أن الله كان قد أراد خلقهم لما أفاض بالنعم على العباد...، بل تدل على أن الفيض, والإرادة الربانية في تقدير الأمور, تمرُّ من خلالهم وتصدر من بيوتهم كما هو واضحٌ لمن تأمل فيها.
ولا يصح أن يقال: لولا أنني أردت خلقهم لما أفضت بنعمٍ نظير انزال الغيث، ومَسْكِ السماء أن تقع على الأرض..., لأن معناه: أنني لولا أردت خلقهم لكنت أخلق السماء والأرض لكن لا أمسك السماء من أن تقع على الأرض، ولكنت أخلق الخلق لكن لا أنزل الغيث، و....
ومن الواضح أن الحكيم لا يمكن أن تصدر منه هذه التصرفات والأفعال، أي أن يخلق السماء والأرض لكن لا يمسك السماء من أن تقع على الأرض، وأن يخلق الخلق من دون أن ينزل عليهم الغيث الذي هو شرطٌ أساسيٌ لإستمرار الحياة في الأرض، و...
ثانياً: إذا تأملنا في ألفاظ الأحاديث المذكورة سنجد فيها شواهد أخرى أيضاً تدل على أن المقصود ليس ما ذكر في التفسير الأول, وإنما أن وجودهم الفعلي في الأرض شرطٌ لحصول الفيض الرباني, فانظر - على سبيل المثال - إلى الجمل التالية المذكورة في تلك الأحاديث:

أ- (... ونحن أمان أهل الأرض كما أن النجوم أمانٌ لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا باذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وبنا ينشر الرحمة، ويخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها).

ثم قال (عليه السلام): (ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجةٍ لله فيها ظاهرٌ مشهورٌ, أو غائبٌ مستورٌ، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله).
(بحار الأنوار - العلامة المجلسي - 23/5, 6).
فلاحظ ودقق النظر في جملة: (ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها). حيث أنها صريحةٌ في أن وجودهم - المادي الجسماني الدنيوي - في الأرض ضمانٌ لإستمرار الرحمة والفيض, وليس أن الضمان هو مجرد أن الله أراد خلقهم وإن لم يكن لهم وجودٌ فعليٌ في الأرض.

ب- عن جابر, عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: لأي شئ يُحتاجُ إلى النبي والإمام؟
فقال: (لبقاء العالم على صلاحه، وذلك أن الله عز وجل يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيٌ أو إمامٌ، قال الله عز وجل: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ), وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (النجوم أمانٌ لأهل السماء، وأهل بيتي أمانٌ لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون, وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون) ... بهم يرزق الله عباده، وبهم يعمر بلاده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم تخرج بركات الأرض، وبهم يمهل أهل المعاصي ولا يعجل عليهم بالعقوبة والعذاب، لا يفارقهم روح القدس ولا يفارقونه، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم صلوات الله عليهم أجمعين). (بحار الأنوار - العلامة المجلسي - 23/19).
فلاحظ ودقق النظر أيضاً في جملة: (وذلك أن الله عز وجل يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيٌ أو إمامٌ). حيث إنها صريحةٌ في أن وجود النبي أو الإمام (ع) - المادي الجسماني الدنيوي - في الأرض ضمانٌ لإستمرار الرحمة والفيض, وليس أن الضمان هو مجرد أن الله أراد خَلْقَهُم وإن لم يكن لهم وجودٌ فعليٌ في الأرض.

فهذه الجمل وأمثالها صريحةٌ في أن وجودهم الفعلي الدنيوي الجسماني في الأرض شرطٌ لحصول وإستمرار الفيض الرباني والرحمة الإلهية, وليس مجرد إرادة خلقهم (ع) في الدنيا وإن لم يخلقوا بعد. فالتفسير الأوّل غير صحيح.

ثالثاً: حديث عمرو بن ثابت ، عن أبيه ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول:
(لو بقيت الأرض يوماً بلا إمامٍ منَّا لساخت بأهلها ولعذَّبهم الله بأشدِّ عذابه، إن الله تبارك وتعالى جعلنا حجةً في أرضه، وأماناً في الأرض لأهل الأرض, لن يزالوا في أمانٍ من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، وإذا أراد الله أن يهلكهم ولا يمهلهم ولا ينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا الله، ثم يفعل الله ما يشاء وأحب).
(بحار الأنوار - العلامة المجلسي 23/37)

فانظر إلى جملة: (لن يزالوا في أمانٍ من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، وإذا أراد الله أن يهلكهم ولا يمهلهم ولا ينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا الله) في الحديث وتأمل في مفادها, حيث سيظهر لك جليَّاً أن ما هو أمانٌ للأرض وضمانٌ لإستمرار الرحمة والفيض هو وجودهم الفعلي الجسماني في الأرض وبين أظهُرٍ الناس, بحيث أن الفيض الإلهي سينقطع عن الأرض والناس إذا ذهب الله بهم, ومن المعلوم أن ما يُذْهَبُ به إنما هو الوجود الجسماني وليس وجودهم الظلي والروحاني فإنه لا يموت أبداً.
وللجواب صلةٌ في الحلقة القادمة

 
 
 
 
 

2008 جميع الحقوق محفوظة لدى مكتب الشيخ حسين النجاتي، تصميم وتطوير نيما

 

التقويم والأوقات الشرعية

|

اللقاءات

|

مواقع مفيده

|

مزارات البحرين

|

إتصال بنا