المحاضرات

 

المحاضرات

 


(عصمة أئمة أهل البيت (ع) وحقيقة مدرسة الرفض) 2

آفاقٌ جديدة

إنه بحثٌ كتبه سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي لمعالجة شبهةٍ جديدة أُثيرت أخيرا, هي: (التشكيك في عصمة أهل البيت (ع) العلمية), كتب حتى يتبين أن منطق أهل البيت (ع) في العقائد وغيرها مما لا تهزها العواصف فضلاً عن هبوب الرياح وغيرها.
إنه بحث: (عصمة أئمة أهل البيت (ع) وحقيقة مدرسة الرفض) في حلقته الثانية.


عصمة أئمة أهل البيت (ع) وحقيقة مدرسة الرفض - 2


عصمتهم علميةٌ وأخلاقية

قلنا في الحلقة السابقة أنه قد تُطرح بين الفينة والأخرى بعض النظريات التشكيكية فيما ثبت بالأدلة القطعية في مذهب أهل البيت (ع) من عقائدهم الواضحة.
وقلنا: إن من جملة ما طرح أخيراً التشكيك في العصمة العلمية لأئمة أهل البيت والأنبياء (ع), تلك العصمة التي تعني: (عدم خطئهم فيما يبينونه للأمة من أحكامٍ شرعيةٍ, وتوجيهاتٍ ونصائح وحكمٍ ومواعظ, وحقائق تتعلق بتفسير القرأن, ومعرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله, وحقائق تتعلق بعالم الغيب عموما, واخباراتهم عن الغيب والمستقبل, وتقييمهم للأشخاص والأنظمة ولكل شيء .. إلى غير ذلك مما هو كثيرٌ كثيرٌ مما أخبروا عنه (ع).

وفي الجواب عن ذلك قلنا هناك نقاطٌ كثيرةٌ توضح ضرورة وجود الإمامة المعصومة بعد الرسول (ص), وتوضح أن النبي (ص) فعلاً عيَّن هذه الإمامة لما بعده.
وكانت النقطة الأولى: (اختيار الأحسن).
والنقطة الثانية: (من الذي يسدّ الفراغ ؟).
وكانت خلاصة النقطة الثانية: أنه إذا قلنا لا حاجة للإمامة المعصومة بعد الرسول (ص) فمن الذي يبين أحكام الله تعالى للناس بنحوٍ مأمونٍ من الخطأ, ومن الذي يبين الموقف الرباني من مستجدات الحياة موقفاً صحيحاً لا خطأ فيه ؟
وقلنا: إن عاقبة هذا الإنكار هو الاعتماد على العقل الناقص العاجز في معرفة الأحكام الشرعية, والاعتماد على مصادر للتشريع غير مأمونة عن الخطأ, والنتيجة التخبط في أحكام الله تعالى.
وهذه النقطة الثانية مبنيةٌ على الاعتراف المسبق بضرورة العمل بالشريعة, وأن الله تعالى أعرف بمصالح عباده, وأنه شرَّع لهم أحكاماً لجميع قضايا ومسائل الحياة بكل مستجداتها.

وهنا قد تسأل وتقول: وحتى بناءً على رأي عصمة الأئمة (ع) العلمية فإن مسألة خطأ الفقهاء في آرائهم واستنباطاتهم واردة, إذ من الواضح أن المتصدي لإفتاء الناس في أمورهم وقضاياهم والمبين لأحكام الله تعالى في مذهب أهل البيت (ع) ومن بعد وقوع غيبة الإمام الثاني عشر (ع), المبين هم الفقهاء, أي منذ ما يقرب من (1200) سنة, ومن الواضح أن الحياة كم تغيرت وكم حصلت من المستجدات في هذه الفترة الطويلة, وكم تحصل فيها باستمرار, وكل هذه المستجدات إنما يفتي فيها الفقهاء, واحتمال الخطأ واردٌ فيهم كما هو واردٌ في الطرح الآخر, فما هي ميزة القول بعصمة الأئمة (ع), مادام أن مشكلة الخطأ في تشخيص الأحكام لا تمكن معالجتها ؟
إذاً هل أمكن التخلص من مشكلة: (من الذي يسدّ الفراغ)؟
طبعاً لا.
الجواب: الفرق بينهما يتحدد في سعة دائرة الخطأ وضيقها وفي زيادة عدد الأخطاء وقلته, توضيح ذلك: أنه وفق مدرسة أهل البيت (ع) الحجة والدليل الشرعي لاستنباط الأحكلم والتشريعات الإلهية منحصرٌ في القرآن المجيد والسنة الشريفة المتمثلة في سنة النبي (ص) وأهل البيت (ع), ولا دليل في أقوال غيرهم أياً كانوا, وإذا كان لفقهاء مدرسة أهل البيت (ع) أخطاءٌ فهي محصورةٌ – بشكلٍ أساسي - في محورين:
1- التثبت من صحة السُّنة وصدورها عنهم (ع).
2- فَهْم كلامهم بشكلٍ صحيح.

بينما إذا تم التخلي عن مدرسة العصمة فهناك طرحان:
أ‌- توسيع دائرة الحجة والدليل الشرعي من النبي (ص) إلى أقوال الصحابة وغير ذلك كالقياس والاستحسان..
ب‌- حصر الحجة والدليل الشرعي في القرآن وسنة النبي (ص) فقط.
والطرح الأول يساوي استحداث محورٍ جديدٍ وواسعٍ للأخطاء زيادةً على المحورين اللذين كانا للفقهاء في طرح مدرسة العصمة, وذلك لعدم وجود أيّ دليلٍ على عصمة الصحابة أو القياس أو .. علميا, ونتيجة ومعنى ذلك اتساع دائرة الأخطاء في الطرح الأول بشكلٍ رهيب بسبب الاعتماد على أقوال وأشياء لا عصمة لها عن الخطأ علميا.
وأما الطرح الثاني - أي حصر مصادر التشريع في القرآن وسنة النبي فقط – فمن الواضح أن القرآن الكريم لا يمكن استنباط تفاصيل الأحكام منه اطلاقا, لأنه أساساً ليس بصدد بيان تفاصيل الأحكام – إلا في بعض الاستثناءات – وإنما في مقام بيان الأساسيات والعموميات من التشريعات والاحكام, والسبب هو أن بيان التفاصيل أساساً قد تُرك للسُنَّة المعصومة, ولذلك فلسفاتٌ لا مجال للتعرض لها هنا.
وأما سُنَّة النبي (ص) فمن الواضح أيضاً أن الثابت صدوره منه (ص) قليلٌ جدّا, وذلك لقصر فترة النبوة المتهيئة لبيان الأحكام فيها, لأنها كانت حوالي عشر سنوات فقط, والنبي (ص) إنما كان في مرحلة التأسيس, ولا يكفي هذا الكم القليل من التراث الثابت عنه لاستنباط الأحكام الشرعية منها خصوصاً في مستجدات الحياة المستمرة في التجدد.
على أنه حتى النبي (ص) في كثيرٍ من الأحيان كان يبين العموميات فقط وفقاً لسياسة التدرج في بيان الأحكام.
ومن الواضح أن هذا الكم البسيط لا يكفي حتى لسدّ الفراغ التشريعي في خمسين بالمائة منه فقط.
وأساساً شريعةٌ تقول أنها أبدية, وأن لله تعالى في كل شيءٍ حكماً هل يمكن أن تكتفي بهذا العدد القليل من موارد السنة النبوية الثابتة كمصادر للتشريع, وذلك مع تجدد قضايا الحياة بشكلٍ مستمر, أيّ منطقٍٍ وفكرٍ يقبل هذا ويوافق عليه ؟!

إنكم ترون الآن أن البرلمانات في الدول الديمقراطية - واقعاً - والمعتمدة على النظام العلماني الوضعي, مع أنه مضى على تشريعها للقوانين مئات السنين لازال تجد الحاجة إلى التشريع بشكلٍ مستمر, وليس سبب ذلك محصورٌ في معرفتهم بخطأ قوانينهم السابقة, بل السبب الأهم تجدد قضايا الحياة بشكلٍ مستمرٍ مما يستدعي الاستمرار في تشريع القوانين.
ولم يكن النبي (ص) غافلاً عن هذه المشكلة, وإنما كان برنامجه رجوع الأمة إلى أهل البيت (ع) من بعده حتى يواصلوا مسيرته, ولذا كان يرجع ويرشد الأمة إليهم في أحاديثه كما سنلاحظ تلك الأحاديث في الحلقات القادمة من هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وقد كان أئمة أهل البيت (ع) دائماً يوضحون للناس أنهم لا يقولون شيئاً من عندهم, وإن كل ما يفتون به إنما هو من صحيفةٍ عندهم هي من إملاء رسول الله (ص) وبخطِّ علي بن أبي طالبٍ (ع), وقد عرضوا هذه الصحيفة على بعض أصحابهم.
(للإطّلاع على مصادر ذلك انظر مثلا: مقدمة كتاب جامع أحاديث الشيعة/ سماحة آية الله العظمى السيد حسين الطباطبائي البروجردي قُدِّس سِرُّه).

وحينئذٍ إذا كانت المصادر التشريعية شحيحةً وغير كافية - وفق الطرح الثاني – فستكون النتيجة أما:
1- الاعتراف بالعجز التشريعي, وهذا متناقضٌ مع دعوى أن الشريعة شاملةٌ لجميع قضايا ومناحي الحياة, وأن لله تعالى في كل قضيةٍ ومسألةٍ حكم, وكيف يمكن أن يجعل الله تعالى شريعته شاملةً ولا يسدّ النقص التشريعي, وهو التناقض البيّن الذي لا يمكن أن يصدر من الله تعالى الحكيم في كل ما يصدر عنه.
2- أو الاعتماد على مصادر تشريعيةٍ أخرى كالقياس والاستحسان .. وغير ذلك مما تمّ اعتماده في المدارس الأخرى أو أيّ شيءٍ جديدٍ آخر, وكل ذلك مصادر غير معصومة عن الخطأ, والاعتماد عليها أيضاً يساوي ويعني توسعة دائر الأخطاء بشكلٍ رهيبٍ إذا ما قيس بمستوى الخطأ في استنباطات الفقهاء وفق مدرسة العصمة.

وهكذا اتضح لنا بشكلٍ جليٍ الفرق الشاسع بين مدرسة العصمة وغيرها في مقياس ونسبة الخطأ في استنباطات الفقهاء.

والواقع أنه بناءً على رأي مدرسة عصمة الأئمة (ع) العلمية وأن الأئمة (ع) كانوا معصومين في كل ما قالوا وفعلوا هناك تراثٌ عظيمٌ ومصدرٌ تشريعيٌ واسعٌ قد خلَّفوه للفقهاء يقدر بعشرات الآلاف من الأحاديث, وقد جُمع أهمها في المصادر الحديثية الأربعة المعروفة – الكافي, ومن لا يحضره الفقيه, والاستبصار, وتهذيب الأحكام – وقد قام أئمة أهل البيت (ع) في هذا التراث الكبير بأمرين أساسيين في خصوص الأحكام الشرعية وعملية التشريع.
1- بيان أحكامٍ شرعيةٍ كثيرةٍ وبشكلٍ دقيقٍ وتفصيلي, وذلك وفق ما نزل على رسول الله (ص), سواءً في العبادات أو المعاملات وقضايا الحياة بشكلٍ عام.
2- حددوا للفقهاء معالم استنباط الأحكام الشرعية, والضوابط العامة التي يجب أن ُتراعى في عملية استنباط الأحكام الشرعية من القرآن المجيد والسنة النبوية وأحاديثهم, وذلك بشكلٍ تفصيليٍ دقيق.
وذلك حتى يستعين بها الفقهاء في مجالين:
أ‌- استنباط الحكم الشرعي للقضايا التي لم يتم التعرض لبيان حكمها في أحاديثهم أصلا, لكونها مما ستستجدّ بعد عصر غيبة الإمام الثاني عشر (ع).
ب‌- استنباط الحكم الشرعي للقضايا التي تم التعرض لها في أحاديثهم, ولكن اختلفت أحاديثهم في ذلك لأسبابٍ لا يمكن شرحها هنا لكونها قضايا علميةٍ بحتة.

ومن الواضح لكل منصفٍ أن هذا البرنامج التفصيلي الاستنباطي الذي عمل أئمة أهل البيت (ع) على توضيح معالمه وحدوده وجزئياته للفقهاء طيلة ما يقرب من ثلاثة قرون – بما في ذلك عهد الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر (ع) – سيقلل من احتمالية الخطأ عند فقهاء مذهب أهل البيت (ع) إلى حدٍّ كبيرٍ جدّا, إذا ما قِيس إلى احتمال الخطأ في استنباطات بقية الفقهاء الذين لم ياخذوا بأقوال أئمة أهل البيت (ع).
إذ بقية الفقهاء لا يمتلكون أي برنامجٍ تفصيليٍ صادرٍ عن أيّ مصدرٍ معصومٍ عن الخطأ.
وبذلك اتضح الجواب عن السؤال المتقدم, واتضح الفرق في نسبة وكمية الخطأ بين مدرسة العصمة وغيرها.

وقد تقول: نعم ذلك الفرق صحيح, ولكن ما الدليل على عصمة أئمة أهل البيت (ع) العلمية, إذ هذا هو العقد المهم في البحث ؟
والجواب:
1- أن النقطة الثانية التي ذكرناها كانت فقط لإثبات ضرورة وجود الإمامة المعصومة بعد النبي (ص) في مقابل الرأي الذي ينكر هذه الضرورة من الأساس, وقد ثبت الضرورة.
2- إنه ثبت ضرورة أن يكون للنبي (ص) برنامجاً لما بعد حياته بالنسبة إلى حقل التشريع, فأين برنامج النبي (ص) وفق ما عدى مدرسة العصمة وما أدلة ذلك البرنامج ؟
لكن البرنامج وفق مدرسة العصمة واضحٌ أشرنا إليه.
3- إنه ومضافً إلى ذلك سنذكر - إن شاء الله تعالى - أدلة عصمة أئمة أهل البيت (ع) من أقوال النبي (ص) بشكلٍ واضحٍ لا يقبل الشك والترديد.

التتمة في الحلقة القادمة

 
 
 
 
 

2008 جميع الحقوق محفوظة لدى مكتب الشيخ حسين النجاتي، تصميم وتطوير نيما

 

التقويم والأوقات الشرعية

|

اللقاءات

|

مواقع مفيده

|

مزارات البحرين

|

إتصال بنا