| |
|
 |
المحاضرات |
|
|
 |
|
|
ما هي فلسفة وجود المهدي (ع) غائبا؟؟ (3)/ سماحة آية الشيخ حسين النجاتي ... حفظه الله.
تتناول هذه الحلقة الجديدة من نافذة (آفاقٌ جديدة) مواصلة الجواب عن السؤال الذي طرح في الحلقة السابقة, وهو: ما هي فلسفة وجود الإمام المهدي (ع) حياً غائباً، وما هي فلسفة وجوده كذلك مع عدم استفادة الناس منه إستفادةً ظاهرة، أليس مثل هذا الوجود عبثيٌ لا فائدة وراءه، وكيف يمكن صدور العبث من الله تعالى؟!
وهذه هي الحلقة الثالثة في متابعة الإجابة عن ذلك السؤال.
الخيار الثاني: الغيبة الصغرى
أن يكون الإمام موجوداً حياً يعيش لكن مع غيابٍ محدودٍ عن الحضور المكشوف في المجتمع, وممارسةٍ للدور القيادي الناقص غير المكشوف بقدر ما تسمح به الظروف الموضوعية مع رعاية أهم المصالح العامة وأولاها.
وهذا هو الوضع الذي كان قائماً في عهد الغيبة الصغرى للإمام المهدي (ع).
وإذا توفر شرطان لما غاب الإمام (ع) غيبته التامة:
أ - أن يكون الوضع القيادي القائم في عصر الغيبة الصغرى قابلاً للإستمرار من الناحية العملية.
ب - أن يكون الوضع القيادي القائم في عصر الغيبة الصغرى أفضل وضعٍ ممكنٍ وفق ما تقتضيه مصلحة الأمة والمجتمع البشري على مستوى مسألة قيادة المجتمع.
فإذا كان الشرطان متوفران لما غاب الإمام (ع) غيبةً تامة, إذ لو كانت تلك الغيبة الصغرى قابلةً للإستمرار وكان هو الوضع الأفضل لما كان من الممكن في حكمة الباري تعالى ولطفه بعباده أن يتأخر في إسعاد البشرية بقيادة الإمامة المعصومة, ولو بالشكل الناقص الذي كان في عهد الغيبة الصغرى, لكن عدم إستمراره يكشف عن أحد أمرين:
إما أن هذا الخيار أيضاً - كخيار حضوره مع القيادة التامة - لم يكن ممكن الإستمرار من الناحية العملية, أو لم يكن هو الخيار الأفضل لمصلحة المجتمع البشري.
لكن مما قد يكشف عن عدم إمكان إستمرار ذلك الوضع القيادي الذي كان قائماً في عهد الغيبة الصغرى ما نلاحظه تاريخياً من استهداف حكام بني العباس للنواب والسفراء الخاصين للإمام في فترة الغيبة الصغرى وتنامي التضييق عليهم وازدياده من كل سفيرٍ إلى السفير الذي يأتي من بعده, حيث أراد حكام بني العباس قطع كل صلةٍ للناس بايِّ إمام, بل ومحاولة التعرف على مكان اختباء الإمام - لو أمكن - للقضاء عليه بحسب زعمهم.
وقد نقلنا في الحلقة الماضية من جواب هذا السؤال رواية أبي عبد الله الصالحي, والتي جاء فيها:
قال: سألني أصحابنا بعد مضيِّ أبي محمد (ع) أن أسأل عن الاسم والمكان؟
فخرج الجواب: (إن دللتهم على الاسم أذاعوه, وإن عرفوا المكان دلُّوا عليه). (كتاب بحار الأنوار51 /33).
وهذا ما يفسر شدة تكتم السفراء على أمر سفارتهم وعدم مجاهرتهم بذلك إلا للموثوقين, كما يستفاد ذلك جليَّاً من النص التالي الذي ذكره الشيخ الطوسي (ره) في بيان بعض أحوال الشيخ أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري السفير الأول من سفرائه (ع):
(... ويقال له السَّمان, لأنه كان يتَّجر في السمن تغطيةً على الأمر. وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمد (عليه السلام) ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو فيجعله في جراب السمن وزقاقه, ويحمله إلى أبي محمد (عليه السلام) تقيةً وخوفاً). (كتاب بحار الأنوار51/344).
فهذا النص يؤكد ما ذكرناه من شدة تكتُّمْ السفراء على أمر سفارتهم وعدم مجاهرتهم بذلك إلا للموثوق بهم, وهذا هو ما تقتضيه طبيعة الأمور.
بل إن بعض السفراء - كـ الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح - كان يتكتَّمُ حتى على أنه من أتباع أهل البيت (ع). (لاحظ كتاب بحار الأنوار51 /357).
وهكذا يتجلَّى إن استمرار الوضع القيادي الذي كان قائماً في فترة الغيبة الصغرى أيضاً لم يكن ممكناً, مما أوجب الإنتقال إلى المرحلة اللاحقة من الاسلوب القيادي, وهو خيار الغيبة الكبرى الذي سنتحدث عنه بعد قليل.
الغيبة الصغرى مرحلةٌ تمهيديةٌ
بل إن المتأمل في سيرة أئمة أهل البيت (ع) وطبيعة حياتهم واخلاصهم وصدقهم مع الله والناس, وعدم تحمل الأنظمة الحاكمة آنذاك لمثل هذه القيادات المخلصة الصادقة, وما تقتضيه طبيعة العمل القيادي الحريص على مصالح المجتمع والإنسان, لا يمكن أن يُتردد في أن مرحلة الغيبة الصغرى لم تكن إلا مرحلةً في طريق تهيئة الناس واتباع أهل البيت (ع) لـ الاستعداد للدخول في عهد الغيبة الكبرى.
ومما يوضح ذلك:
1- إن اتباع أهل البيت (ع) الذين تعودوا على التواصل مع مرجعيتهم الشرعية المعصومة, وأخذ الأحكام ومعالم الدين فقط من هذه المرجعية دون غيرها, لا شك في أنهم كانوا يشعرون بالوحشة الشديدة من أن يجدوا أنفسهم فجأةً في ظرفٍ لا يجدون فيه أية إمكانية للتواصل مع المرجعية التي آمنوا طيلة عشرات السنين أنه لا يجوز لهم الرجوع إلا إليها, وآمنوا أنه لا يمكنهم أخذ معالم دينهم إلا منها دون سواها, ولذا جائت مرحلة الغيبة الصغرى كمرحلةٍ متوسطةٍ بين الحضور المكشوف التام وبين الغيبة التامة للقيادة المعصومة, ففي هذه المرحلة المتوسطة لا يكون للإمام حضور علني كالسابق ولا تكون هناك غيبةٌ تامةٌ, بل تكون هناك نافذةٌٌ ضيقةٌ للتواصل.
فالهدف من الغيبة الصغرى تهيئة النفوس للدخول في الغيبة الكبرى, ودفعاً لوحشة الإنخراط الفجائي في مرحلة الإنقطاع التام عن القيادة المعصومة.
ولنلاحظ بهذا الصدد النص الذي ذكره الشيخ علي بن الحسين بن بابويه القمي (ره) (والد الشيخ الصدوق) المتوفي سنة (329ﻫ) , وهي نفس السنة التي انتهت فيه الغيبة الصغرى, بل إن الشيخ محمد بن علي السمري (ره) - وهو آخر السفراء الأربعة - كان قد أخبر الناس عن وفات علي بن الحسين بن بابويه بشكل معجزٍ قبل وصول خبر وفاته. (راجع بحار الأنوار 51/361).
والنص المشار إليه ذكره في كتابه (الإمامة والتبصرة من الحيرة - ص 9), قال: ( ... ورأيت كثيراً ممن صحَّ عقده، وثبتت على دين الله وطأته، وظهرت في الله خشيته، قد أحادته الغيبة، وطال عليه الأمد حتى دخلته الوحشة ...).
فهذا نصٌّ من عالمٍٍ كبيرٍ جدَّاً, له مقامه ومرتبته الكبيرة, عاش وعاصر فترة الغيبة الصغرى ونقل لنا ما عاينه بنفسه, وقد عبر بوضوحٍ عن مدى القلق الكبير الذي كان يعيشه الكثير من أتباع أهل البيت (ع) في تلك الفترة, واستطالتهم لفترة الغيبة إلى درجة استيحاشهم من الوضع الذي هم فيه, حيث لا يمكنهم التواصل المباشر مع إمام زمانهم (ع) لأخذ معالم الدين منه.
ولقد بلغ الأمر إلى مستوى وقوع اتباعهم (ع) في حيرةٍ من الوضع الذي أصبحوا يعيشونه بسبب الغيبة والإنقطاع عن الإمام المعصوم (ع), ولذا سميت فترة الغيبة بـ فترة الحيرة بحيث أصبح ذلك مصطلحاً معروفاً, وهو واضحٌ من اسم كتاب علي بن الحسين بن بابويه المتقدم ايضاً.
بل إن تسمية فترة الغيبة بـ فترة الحيرة صادرٌ من نفس أئمة أهل البيت (ع) لعلمهم بما ستؤول إليه الأمور, فلا حظ في ذلك - مثلاً - الحديث الذي رواه الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فوجدته متفكراًً ينكت في الأرض، فقلت: يا أمير المؤمنين, مالي أراك متفكراً تنكت في الأرض، أرغبةً منك فيها؟
فقال: (لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوماً قطُّ, ولكني فكرت في مولودٍ يكون من ظهري، الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً، تكون له غيبةٌ وحيرةٌ، يضل فيها أقوامٌ ويهتدي فيها آخرون ...). (الكافي - الشيخ الكليني - 1/338). (ولاحظ بحار الانوار 50/334).
فلأجل التمهيد للغيبة الكبرى وقعت أولاً الغيبة الصغرى حتى يألف الناس الوضع الجديد الذي سيدخلون فيه والذي كان يتميز بعدم إمكان التواصل المباشر مع الإمام (ع), وحتى يأنسوا بمرجعيتهم الشرعية المباشرة الجديدة في الأحكام الشرعية ومعالجة الموضوعات والمصالح والقضايا والهموم العامة, المرجعية التي تمثَّلت في الفقهاء العدول.
2- أن الإمام المهدي (ع) حدَّد آليةً لكيفية تواصل الناس معه في عهد الغيبة الصغرى, وقد تمثَّلت في تعيين عالمٍ في مرتبةٍ عاليةٍ من التقوى والفضيلة والكمال, حتى يرجع إليه الناس في جميع أمورهم الدينية وقضاياهم الحياتية العامة كسفيرٍ ووكيلٍ له (ع), حيث أنه عين لنفسه أربعة سفراء واحداً بعد الثاني, وكان آخرهم الشيخ علي بن محمد السمري الذي توفَّى في سنة (329ﻫ).
وإذا تأملنا هذه الآلية فإننا سنستوحي منها أنه قصد (ع) من خلالها أن يهيِّءَ الناس للدخول في عهد الغيبة الكبرى, وأن يؤسِّسَ لتربية وتثقيف الناس على اعتمادهم على العلماء الفقهاء كمرجعيةٍ لأمورهم الدينية وقضاياهم العامة.
وبذلك أصبح عهد الغيبة الصغرى فترة إعدادٍ للأمة للأنس بمتطلبات فترة الغيبة الكبرى, والتعرف على مرجعياتها الشرعية والتوجيهية المتمثلة في الفقهاء العدول.
ومن هنا نجد أنه (ع) كان يحدِّد للناس بوضوحٍ مرجعيتهم الشرعية والقيادية, حيث شعر الناس بالفراغ القيادي فأخذوا يستفسرون منه - من خلال سفرائه - عن المرجعية, فجاء التحديد من ناحيته (ع) بذلك كي تكون الأمور واضحةً لهم عند غيبته التامة.
ومن جملة الأحاديث التي مهَّد صاحب الزمان (ع) من خلالها للمرجعية الجديدة الرواية المشهورة المروية عن إسحاق بن يعقوب, قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أَشْكَلَتْ علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام):
(... وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله، وأما محمد ابن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي). (وسائل الشيعة 27/140).
فهذا النص واضحٌ في تحديده رواة أحاديثهم - أي الفقهاء العدول - كمرجعيةٍ شرعيةٍ للناس في الحوادث الواقعة, أي قضايا الحياة ومستجداتها..., مما يعني أنهم المرجعية في قضاياهم وشؤونهم الحياتية العامة, حيث أن الإمام لا يتحدث في هذا النص عن أحكام الحوادث من الناحية الشرعية, وإنما عن مرجعية القرار في ذات ونفس الحوادث.
والمقصود بـ (رواة أحاديثهم) ليس كل من روى لهم حديثاً من الرواة, اذ لا يعقل فرض المرجعية لكل من روى لهم حديثاً, وأن لم يكن له فقهٌ فيها وفهمٌ واستيعابٌ لمداليل كلامهم وإشارات ورموز أحاديثهم, وإنما المقصود الرواة الراسخون في فهم معاني ومقاصد وإشارات وكنايات ورموز كلامهم (ع), وهؤلاء هم الفقهاء الأجلاء.
هذا مضافاً إلى تمهيد الأئمة السابقين (ع) لمرجعية الفقهاء العدول, والذي كان من خلال حثِّ شيعتم في رواياتٍ كثيرةٍ جدَّاً على أخذ معالم الدين من رواة احاديثهم الذي لا يقصد به إلا الرواة الفقهاء الأجلاِّء.
وقد أرجع الإمام الحسن العسكري (ع) صراحةً - في حديثٍ معروفٍ - عامة شيعتهم إلى الفقهاء العدول, فقال (ع):
(وكذلك عوامنا إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر والعصبية الشديدة والتكالب على الدنيا وحرامها، فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم. فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه, مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم، فإن من ركب من القبايح والفواحش ... فلا تقبلوا منهم عنا شيئاً ولا كرامة...). (وسائل الشيعة 27/131).
والحديث واضحٌ في مفاده لا يحتاج إلى شرحٍ وتفسير.
وهكذا نستنتج أن عهد الغيبة الصغرى لم يكن إلا مرحلةً في طريق تهيئة الناس لـ الاستعداد للدخول في مرحلة الغيبة الكبرى, وللتعرف والأنس بالمرجعية الجديدة التي يجب أن يتعاملوا معها ويرجعوا إليها, وهم الفقهاء العدول.
التتمة في الأعداد القادمة |
|