|
<p>الامام أبو الأئمة علي بن الحسين السجّاد (ع) <br />
<br />
1- مولده ووشهادته (عليه السلام) <br />
وأمه (ع) شاهزنان بنت يزدجرد، ولد بالمدينة خامس شعبان سنة ثمان وثلاثين، وقبض يوم السبت ثاني عشر محرم سنة خمس وتسعين، وعمره سبع وخمسون سنة. <br />
<br />
2- كنيته وألقابه (عليه السلام) <br />
كنيته أبو الحسن، وأبو محمد، وأبو القاسم. <br />
وألقابه: زين العابدين، وسيد العابدين، وزين الصالحين، ووارث علم النبيين، ووصي الوصيين، وخازن وصايا المرسلين، وإمام المؤمنين، ومنار القانطين، والخاشع، والمتهجد، والزاهد، والعابد، والعدل، والبكّاء، والسجّاد، وذو الثفنات، وإمام الأمة، وأبو الأئمة. <br />
<br />
3- فضائله ومناقبه (ع) <br />
وكتب العامة والخاصة مشحونة بفضائله ومناقبه (ع) : <br />
3/1 - قال الزمخشري: روي عن النبي (ص) أنه قال: (لله من عباده خِيَرتان، فخيرته من العرب قريش، ومن العجم فارس، وكان يقال لعلي بن الحسين بن الخيرتين). <br />
3/2 - وروي أن أبا الأسود الدؤلي قال فيه: (وإن غلاماً بين كسرى وهاشم لأكرم من نيطت عليه التمائم). <br />
• قال ابن طلحة: هذا زين العابدين، قدوة الزاهدين، وسيد المتقين، وإمام المؤمنين، سِمته تشهد أنه من سلالة رسول الله، وسَمتْه تثبت مقام قربه من الله زلفاً، وثفناته تسجل بكثرة صلاته وتهجده، وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيها، درّت له أخلاف التقوى فتفوقها، وأشرقت لديه أنوار التأييد فاهتدى بها، وألفته أوراد العبادة فآنس بصحبتها، وحالفته وظائف الطاعة فتحلى بحليتها، طالما اتخذ الليل مطيّة فركبها لقطع طريق الآخرة، وظمأ الهواجر دليلاً استرشد به في مفازة المسافرة، وله من الخوارق والكرامات ما شُوهد بالأعين الباصرة، وثبت بالآثار المتواترة، وشهد أنه من ملوك الآخرة. <br />
• وكان (ع) إذا توضأ للصلاة يصفّر لونه، فيقول له أهله: ما هو الذي يعتادك عند الوضوء ؟ فيقول:( أتدرون بين يدي مَنْ أريد أن أقوم؟) <br />
• وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة، فيقول لمن يسأله: (أريد أن أقوم بين يدي ربي وأناجيه). <br />
• ووقع الحريق والنار في البيت الذي هو فيه، وكان ساجداً في صلاته، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله ! يا ابن رسول الله ! النار النار، فما رفع رأسه حتى أُطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: (نار الآخرة). <br />
• وعن زرارة بن أعين قال: سمع سائل في جوف الليل، وهو يقول: (أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة)، فهتف هاتف من ناحية من البقيع يسمع صوته ولا يرى شخصه: ذاك علي بن الحسين. <br />
• عن الزهري قال: دخلت مع علي بن الحسين (ع) على عبد الملك بن مروان قال: فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عيني علي بن الحسين، فقال: يا أبا محمد لقد بان عليك الاجتهاد، ولقد سبق لك من الله الحسنى، وأنت بضعة من رسول الله (ص) ، وقريب النسب وكيد السبب، وإنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وذوي عصرك، ولقد أوتيت من العلم والفضل والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك، إلاّ من مضى من سلفك، وأقبل يثني عليه ويطريه، قال: فقال علي بن الحسين: (كلما ذكرته ووصفته من فضل الله وتأييده وتوفيقه، فأين شكره على ما أنعم)، إلى أن قال: (والله لو تقطعت أعضائي وسالت مقلتاي على صدري لن أقوم لله جل جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لا يحصيها العادون، ولا يبلغ حد نعمة منها عليَّ جميع حمد الحامدين، لا والله أو يراني الله لا يشغلني شيء عن شكره وذكره في ليل ولا نهار ولا سر ولا علانية، لولا أنّ لأهلي عليَّ حقاً ولسائر الناس من خاصهم عليَّ حقوقاً لا يسعني إلاّ القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم، لرميت بطرفي إلى السماء وبقلبي إلى الله، ثم لم أردهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين، وبكى (ع) وبكى عبد الملك... ). <br />
<br />
هذه قطرة من بحر عرفانه بربه وعبادته لإلهه، ولا بد لأهل الفضل من النظر في صحيفته السجادية التي هي زبور آل محمد (ص) ومعراج الأولياء ومنهاج الأصفياء التي عجزت عن إدراك دقائقها عقول الحكماء، واندهشت من لطائفها قلوب العرفاء، ولم تصل إلى حقائقها إلاّ الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليهم. <br />
• في الصحيح عن أبي عبد الله (ع) قال: حجّ علي بن الحسين على راحلة عشر حجج، ما قرعها بسوط، ولقد بركت به سنة من سنواته فما قرعها بسوط. <br />
• وكان عنده قوم أضياف فاستعجل خادماً بشواء كان في التنور،فأقبل به الخادم مسرعاً، فسقط السفود منه على رأس بنيّ "ابن" لعلي بن الحسين (ع) تحت الدرجة، فأصاب رأسه فقتله، فقال علي (ع) للغلام وقد تحيّر الغلام واضطرب: (أنت حر، فإنك لم تتعمده)، وأخذ في جهاز ابنه ودفنه. <br />
• ودخل على محمد بن أسامة بن زيد " زيد بن أسامة بن زيد " فجعل محمد يبكي،فقال له علي (ع) : (ما شأنك؟) قال: دين، فقال: (كم هو؟) فقال: خمسة عشر ألف دينار، فقال علي بن الحسين (ع) : هو عليَّ فالتزمه عنه. <br />
• وكان له ابن عم يأتيه بالليل متنكِّراً فيناوله شيئاً من الدنانير، فيقول: لكن علي بن الحسين لا يواصلني لا جزاه الله عني خيراً. فيسمع ذلك ويحتمله ويصبر عليه، ولا يعرّفه بنفسه، فلما مات فقدها، فحينئذٍ علم أنه هو كان، فجاء إلى قبره وبكى عليه. <br />
• لما مات علي بن الحسين (ع) وجدوه يقوت مئة بيت من أهل المدينة كان يحمل إليهم ما يحتاجون إليه. <br />
• وقال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين (ع) فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل. <br />
• وقد روت الخاصة والعامة ما رؤي من آثار سواد في ظهره من حمل جرب الدقيق على ظهره ليلاً، وإيصالها إلى فقراء المدينة سراً. <br />
إن من شغله اضطراب خادمه في قتل ولده عن مصابه بابنه فأسكن روعته بتسليته، واعتذر عنه بأنك لم تكن متعمداً وأعتقه، والذي لم يتحمّل أن يرى عيناً باكية من همّ الديَّن، فجعل دينه على نفسه، والذي ينفق على من يشتمه ولا يعرّفه بنفسه لكيلا يرى ذل الانكسار في وجه شاتمه، والذي يحمل على ظهره الدقيق والحطب للأيتام والمساكين، ويبسط رحمته على الإنسان والحيوان، ويموت وعلى جبهته وظهره الثفنات التي تكشف عن إفناء نفسه في عبادة الله، والإحسان إلى عيال الله، يليق بأن يطلق عليه إمام الإنسان وحجّة الله على الإنس والجان. <br />
والذي يحيِّر العقول في عظمته (ع) أنه مع استغراقه في معرفة الرب بأدعيته، وانشغاله في عبادته بإحياء الليل وصيام النهار، وأداء حقوق الخلق على ما في رسالته في الحقوق التي أعطت كل ذي حقٍ حقه، يقول: وأما رحمة الله فإن الله تعالى يقول: إنها قريبة من المحسنين، ولا أعلم أني محسن. <br />
• كان يعظ الناس في كل جمعة في مسجد الرسول (ص) ، ويقول: <br />
أيها الناس اتقوا الله واعلموا أنكم إليه ترجعون، فتجد كل نفس ما عملت في هذه الدنيا من خير محضراً، وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه. <br />
ويحك ابن آدم الغافل وليس بمغفول عنك،ابن آدم، إنّ أجلك أسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك ويوشك أن يدركك، وكأن قد أوفيت أجلك، وقبض الملك روحك، وصرت إلى قبرك وحيداً، فردّ إليك في روحك، واقتحم عليك فيه ملكان، ناكر ونكير، لمسائلتك وشديد امتحانك، ألا وإنّ أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده، وعن نبيك الذي أُرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، ثم عن عمرك فيما أفنيت،ومالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته، فخذ حذرك، وانظر لنفسك، وأعدّ الجواب قبل الامتحان والمسألة والاختبار... . <br />
<br />
4- حكمه (ع) <br />
• اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير. <br />
• الخير كله صيانة الإنسان نفسه. <br />
• إنّ أحبّكم إلى الله أحسنكم عملاً، وإنّ أعظمكم عند الله أعظمكم فيما عند الله رغبة، وإنّ أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية، وإنّ أقربكم عند الله أوسعكم خلقاً، وإنّ أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله، وإنّ أكرمكم عند الله أتقاكم لله. <br />
• إن المعرفة بكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه، وقلة مرائه، وحلمه، وصبره، وحسن خلقه. <br />
• ثلاث من كنَّ فيه من المؤمنين كان في كنف الله، وأظلّه الله يوم القيامة في ظلّ عرشه، وآمنه من فزع الله الأكبر: من أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم لنفسه، ورجل لم يقدم يداً ولا رجلاً حتى يعلم أنه في طاعة الله قدّمها أو في معصيته، ورجل لم يعب أخاه بعيب حتى يترك ذلك العيب من نفسه. <br />
• وقال (ع) لبعض بنيه: يا بنيّ انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، فقال: يا أبة مَن هم؟ قال (ع) : إيّاك ومصاحبة الكذّاب، فإنه بمنزلة السراب يقرّب لك البعيد ويباعد لك القريب؛ وإيّاك ومصاحبة الفاسق فإنه بائعك بأكلة أو أقلّ من ذلك؛ وإيّاك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه؛ وإيّاك ومصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك؛ وإيّاك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله. <br />
• وقال لابنه محمد (ع) : افعل الخير إلى كل من طلبه منك، فإن كان أهله فقد أصبت موضعه، وإن لم يكن بأهل كنت أنت أهله؛ وإن شتمك رجل عن يمينك، ثم تحوّل إلى يسارك فاقبل عذره. <br />
• وقال (ع) : يقول الله: يا ابن آدم إرض بما آتيتك تكن من أزهد الناس، ابن آدم اعمل بما افترضت عليك تكن من أعبد الناس، ابن آدم، اجتنب ما حرّمت عليك تكن من أورع الناس. <br />
• وقال (ع) : خمس لو رحلتم إليه لأنضيتموهن وما قدرتم على مثلهن، لا يخاف عبد إلاّ ذنبه، ولا يرجو إلاّ ربه، ولا يستحي الجاهل إذا سأل عمّا لا يعلم أن يتعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان من لا صبر له. <br />
إنها كلمات منيرة، قصيرة لفظاً، بعيدة المدى معنى، يضمن تعلّمها والعمل بها سعادة الفرد والمجتمع. <br />
<br />
5- كراماته (ع) <br />
ونقتصر من كراماته على ما رواه أبو نعيم وابن حجر وغيرهما من العامة، وصاحب كشف الغمة وغيره من الخاصة: <br />
عن ابن شهاب الزهري قال: شهدت علي بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام، فأثقله حديداً ووكّل به حفاظاً في عدةٍ وجمعٍ، فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له،فأذنوا لي، فدخلت عليه، وهو في قبّة والأقياد في رجليه، والغلّ في يديه، فبكيت وقلت: وددت أنّي في مكانك وأنت سالم، فقال لي: يا زهري، أو تظنّ هذا مما ترى عليّ وفي عنقي مما يكربني؟ أما لو شئت ما كان، وأنه إن بلغ بك وبأمثالك غمر ليذكّر عذاب الله، ثم أخرج يده من الغلّ ورجليه من القيد، ثم قال: يا زهري لا جزت معهم ذا منزلتين من المدينة، قال: فما لبثنا إلاّ أربع ليال، حتى قدم الموكّلون به يطلبونه من المدينة، فما وجدوه، فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لي بعضهم: إنّا نراه متبوعاً، إنه لنازل ونحن حوله، لا ننام نرصده، إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلاّ حديدة. <br />
قال الزهري: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان، فسألني عن علي بن الحسين، فأخبرته، فقال لي: إنه جاءني في يوم فقد الأعوان، فدخل عليّ، فقال: ما أنا وأنت، فقلت: أقم عندي، فقال: لا أحب، فو الله لقد امتلأ ثوبي منه خيفةً. <br />
قال الزهري: فقلت: يا أمير المؤمنين ليس علي بن الحسين حيث تظن، إنه مشغول بربه، فقال: حبذا شغل مثله، فنعم ما شغل به. <br />
<br />
<br />
ملحوظة : هذا المقال مأخوذ من كتاب (مقدمة في أصول الدين ) من تأليف سماحة آية الله العظمى الشيخ حسين الوحيد الخراساني ( دام ظله على رؤوس المسلمين والمؤمنين ) <br />
<br />
شعبان المعظّم / 1426هـ الموافق2 / 9/ 2005م</p> |