الأخبار

 

الأخبار

 


همسة (2) همسة نورانية من سيرة و سنة الامام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام

 
 

الإمام السادس 
 جعفر بن محمد الصادق (ع) 
 
 ولد بالمدينة سابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وقبض بها في شوال سنة ثمان وأربعين ومئة، وله خمس وستون سنة. 
 
 كنيته وألقابه (ع) 
 
 كنيته أبو عبد الله، وألقابه: الصادق، والفاضل، والكامل، والصابر، والطاهر، والقاهر، والباقي، والمنجي، وأشهرها ما سمّاه به رسول الله (ص) وهو الصادق. 
 
 فضائله ومناقبه 
 
 اعترف العامّة والخاصة له بالعلم وإجابة الدعوة اللذين يعرف بهما الإمام. 
 قال ابن طلحة: هو من عظماء أهل البيت وساداتهم، ذو علوم جمّة، وعبادة موفورة، وأوراد متواصلة، وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتّبع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحر جواهره، ويستنتج عجائبه. 
 ويقسّم أوقاته على أنواع الطاعات، بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكِّر بالآخرة، واستماع كلامه يزهد في الدُّنيا، والإقتداء بهديه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع بأنه من ذرّية الرسالة، نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأئمّة وأعلامهم،إلى أن قال: 
 وأمّا مناقبه وصفاته فتكاد تفوق عدد الحاصر، ويحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر، حتّى أنه من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى صارت الأحكام التي لا تدرك عللها، والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها، تضاف إليه، وتروى عنه. 
 قال ابن حجر: أخرج أبو القاسم الطبري من طريق ابن وهب، قال: سمعت الليث بن سعد، يقول: حججت سنة ثلاث عشرة ومئة، فلمّا صلّيت العصر في المسجد، رقيت أبا قبيس، فإذا رجل جالس يدعو، فقال: يا ربّ يا ربّ حتّى انقطع نفسه، ثمّ قال: يا حيّ يا حيّ حتّى انقطع نفسه، ثمّ قال: إني أشتهي العنب فأطعمنيه، وأن بُرديّ قد خَلقِا فاكسني، قال الليث: فو الله ما استتم كلامه حتّى نظرت إلى سلّة مملوءة عنبا ً، وليس على الأرض يومئذ عنب، فإذا بردان موضوعان لم أر مثلهما في الدُّنيا، فأراد أن يأكل فقلت: أنا شريكك، فقال: لِمَ ؟ فقلت: لأنّك دعوت وكنت أؤمّن، فقال: تقدّم وكل، فتقدّمت وأكلت عنبا ً لم آكل مثله قط، وما كان له عجم، فأكلنا حتّى شبعنا ولم تتغيّر السلّة، فقال: لا تدّخر ولا تخبّئ منه شيئا ً، ثمّ أخذ أحد البردين ودفع إليّ الآخر، فقلت: أنا في غنى عنه، فائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، ثمّ أخذ برديه الخلقين فنزل وهما بيده، ولقيه رجل بالمسعى، فقال: اكسني يا ابن رسول الله ممّا كساك الله، فإني عريان، فدفعهما إليه، فقلت: مَن هذا؟ قال: جعفر الصادق، فطلبته بعد ذلك لأسمع منه شيئا ً فلم أقدر عليه. 
 وعن مالك بن أنس فقيه المدينة: والله ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمّد زهدا ً وفضلا ً وعبادة وورعا ً، وكان رجلا ً لا يخلو من إحدى ثلاث خصال، إمّا صائما ً، وإمّا قائما ً، وإمّا ذاكرا ً، وكان من عظماء العبّاد، وأكابر الزهّاد الذين يخشون الله عزّ وجلّ، وكان كثير الحديث، طيّب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول الله اخضرّ مرة واصفرّ أخرى حتّى لينكره من كان يعرفه. 
 وكيف لا يكون كذلك وهو إمام العارفين، إنه الإمام الذي بعلمه يعلّمنا ما هي معرفة الله التي تنبعث منها هذه الخشية لله ( إنَّما يَخْشى اللهَ من عبادِهِ العلماءُ )، وبقوله يعرف من هو العارف بالله، وقد روي عنه عليه السلام أنه قال: العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع الله، لو سها قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقا ً إليه، والعارف أمين ودائع الله، وكنز أسراره، ومعدن أنواره، ودليل رحمته على خلقه، ومطيّة علومه، وميزان فضله وعدله، قد غنى عن الخلق والمراد والدُّنيا، ولا مونس له سوى الله ولا نطق ولا إشارة ولا نفس إلا ّ بالله و( لله ) ومع الله، فهو في رياض قدسه متردّد، ومن لطائف فضله إليه متزوّد، والمعرفة أصل فرعه الإيمان. 
 ومن نظر في آلاف الروايات الواردة عنه في أصول الدين من المبدأ إلى المعاد، وفي فروع الدين من الطهارة إلى الديّات، وما روي عنه في المواعظ والأخلاق، وما حفظ عنه في العشرة والحقوق والآداب يُدرك ما في زيارة الجامعة: وبموالاتكم علمنا الله معالم ديننا، وأصلح ما كان فسد من دنيانا. 
 ومن تأمّل فيما صدر عنه في المعرفة والعبادة يؤمن بأنه يحقّ له أن يقول: بنا عرف الله، بنا عُبد الله، نحن الأدلاّء على الله، لولانا ما عبد الله. 
 قال الحسن بن زياد: سمعت أبا حنيفة وقد سُئلَ: مَنْ أفقه من رأيت ؟ قال: جعفر بن محمد، لمّا أقدمه المنصور بعث إليّ، فقال يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيّئ له من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة، فأتيته ودخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت عليه، فأومأ إليّ، فجلست ثمّ التفت إليّه فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة، قال: نعم أعرفه، ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلت ألقي عليه فيُجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا و أهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا... حتّى أتيت على الأربعين، فما أخلّ بشيء، ثمّ قال أبو حنيفة: أليس أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس ؟! 
 قال ابن قتيبة في أدب الكاتب: وكتاب الجفر جلد كتبه الإمام جعفر بن محمد الصادق بن محمد الباقر، وفيه كل ما يحتاجون إلى علمه يوم القيامة. 
 وقال الشبلنجي الشافعي في نور الأبصار: ومناقبه كثيرة تفوق عدد الحاسب ويحار في أنواعها فهم اليقظ الكاتب. 
 
 مكارمه (ع) 
 
 وهي أكثر من أن تحصى: 
 منها: أنه كان للصادق ابنٌ، فبينما هو يمشي بين يديه، إذ غصَّ فمات، فبكى، وقال: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت، ثمّ حمله إلى النساء فلمّا رأينه صرخن، فأقسم عليهنّ ألا يصرخن، فلمّا أخرجه للدفن، قال: سبحان من يقتل أولادنا، ولا نزداد له إلاّ حبّا ً، فلمّا دفنه، قال: يا بنيّ وسّع الله في ضريحك، وجمع بينك وبين نبيّك. 
 وقال عليه السلام: إنّا قوم نسأل الله ما نحب فيمن نحب، فيعطينا، فإذا أحبّ ما نكره فيمن نحب رضينا. 
 في هذا الحديث الشريف تنبيه على أن جميع ما أعطاه الله العباد إنّما هو ابتداء بالنعم بلا استحقاق، فما أخذه مع إبقاء النعمة التي لا تعد ولا تحصى، وما ابتلى به مع العافية عن سائر أنواع البلاء، ومع أن البلاء للولاء ليس إلاّ عناية ورحمة ونهاية اللطف من المولى. 
 ثمّ أرشد عليه السلام إلى أن مقتضى التعامل بين ما أحبّ العبد وما أحبّ الرب ليس إلا ّ التسليم والرضا، فباشتداد البلاء يزداد حب الأولياء لله تعالى. 
 دخل سفيان الثوري على الصادق (ع) فرآه متغيّر اللون، فسأله عن ذلك، فقال: كنت نهيت أن يصعدوا فوق البيت، فدخلت فإذا جارية من جواريّ ممن تربي بعض ولدي قد صعدت في سلّم،والصبي معها، فلمّا بصرت بي ارتعدت وتحيّرت وسقط الصبي الى الارض فمات، فما تغيّر لوني لموت الصبي، وإنما تغيّر لوني لما أدخلت عليها من الرعب، قال لها: أنتِ حرة لوجه الله، لا بأس عليك، مرتين. 
 فمع أنه عليه السلام نهاهم وخالفته الأمة وعصته وعصت الله سبحانه وتعالى، وارتعدت برؤيتها له، وكانت هي السبب في ذلك كلّه، ولكنّه لم يتغيّر لونه لموت فلذة كبده، وإنمّا تغيّر لاضطراب قلب الجارية، وأسكن اضطرابها بعتقها وآمنها بنفي البأس عليها عن مؤاخذة الدنيا وعذاب الآخرة ! وبذلك أظهر (ع) بموت ولده بأمر الخالق منتهى الرضا لله، وأظهر بموت ولده بفعل الخلق منتهى الرحمة لخلق الله، فالله أعلم حيث يجعل خلافته. 
 وفي الصحيح عن هشام بن سالم، قال: كان أبو عبد الله إذا أعتم وذهب من الليل شطره، أخذ جرابا ً فيه خبز ولحم والدراهم، فحمله على عنقه، ثمّ ذهب به إلى أهل الحاجة من أهل المدينة، فقسّمه فيهم ولا يعرفونه، فلمّا مضى أبو عبد الله فقدوا ذا {ذلك} فعلموا أنه كان أبا عبد الله. 
 حكمه ومواعظه (ع) 
 
 ومن حكمه ومواعظه ما عن بعض أصحابه عليه السلام، قال: دخلت عليه وموسى بين يديه، وهو يوصيه بهذه الوصية، فكان ممّا حفظت منها، أن قال: يا بنّى اقبل وصيّتي، واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش سعيدا ً وتمت حميدا ً، يا بنيّ من قنع بما قسم له استغنى، ومن مدّ عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا ً، ومن لم يرض بما قسم الله له اتّهم الله في قضائه، ومن استصغر زلّة غيره استعظم زلّة نفسه، ومن استصغر زلّة نفسه استعظم زلّة غيره. 
 يا بنيّ من كشف عن حجاب غيره تكشّفت عورات بيته، ومن سلّ سيف البغي قُتل به، ومن احتفر لأخيه بئرا ً سقط فيها، ومن داخل السفهاء حُقّر، ومن خالط العلماء وُقّر، ومن دخل مداخل السوء اتّهم. 
 يا بنيّ إيّاك أن تزري الرجال فيزرى بك، وإيّاك والدخول فيما لا يعنيك فتذلّ. 
 يا بنيّ قل الحقّ لك وعليك تستشار من بين أقرانك. 
 يا بنيّ كن لكتاب الله تاليا ً وللإسلام فاشيا ً، وبالمعروف آمرا ً، وعن المنكر ناهيا ً، ولمن قطعك واصلا ً، ولمن سكت مبتدئا ً، ولمن سألك معطيا ً، وإيّاك والنميمة فإنّها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، وإيّاك والتعرّض لعيوب الناس، فمنزلة المعترض لعيوب الناس كمنزلة الهدف. 
 يا بنيّ إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه، فإنّ للجود معادن، وللمعادن أصولا ً وللأصول فروعاً، وللفروع ثمرا ً، ولا يطيب ثمر إلا ّ بفرع، ولا فرع إلا ّ بأصل، ولا أصل ثابت إلا ّ بمعدن طيّب. 
 يا بنيّ إذا زرت فزر الأخيار ولا تزر الفجّار، فإنهم صخرة لا يتفجّر ماؤها، وشجرة لا يخضّر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها. 
 قال علي بن موسى: فما ترك أبي الوصية إلى أن توفي. 
 وفي كل عبارة من كلمات هذه الوصية إشارات ولطائف ودقائق وحقائق، فمن تأمّل في كلمة منها وهي قوله عليه السلام: قل الحق لك وعليك، يرى أنّ قيام السماوات والأرض بالحق، ولا يمكن تحقق ما في تصوّر الحكماء من المدينة الفاضلة إلا ّبإحقاق الحق، ولا يصل كلّ إنسان إلى الكمال المطلوب له من خلقه إلا ّ بالتخلية عن الباطل، والتحلية بالحق. 
 وكل ما يتعلق بالإنسان إمّا له وإما عليّه، فإذا دار فيهما مدار الحق يرضي عنه الخالق والخلق، فإذا قال الحق له وعليه، فأول ما يستفيد منه أن النفوس المفطورة على محبة الحق والتنفّر عن الباطل تطمئن إليه وتحبه، ويصير قسطاسا ً مستقيما ً لا يميل إلى الإفراط والتفريط، فتستمدّ منه العقول، ويكون مستشارا ً بين الأقران. 
 فلو عمل بهذه الكلمة أفراد المجتمع من أدناهم إلى أعلاهم، لتحقّق فيه الاطمئنان النفسي والثقة التي يقوم بها المجتمع. 
 فكيف إذا كان مع ذلك تاليا ً للكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم، وناشرا ً للإسلام الذي هو تسليم المسلم لله، وسلامة المسلمين من يده ولسانه، وآمرا ً بالمعروف وناهيا ً عن المنكر، عالما ً بما يأمر وما ينهى، وعادلا ً فيما يأمر وينهى، ورفيقا ً بمن يأمر وينهى، وعاملا ً بما يأمر به وتاركا ً لما ينهى عنه، ثمّ اتّعظ بسائر المواعظ التي تضمن المحافظة عليها سلامة الحياة ومحمدة الممات. 
 وقال (ع): إذا بلغك عن أخيك شيء يسوؤك فلا تغتمّ به، فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة عجلّت، وإن كان على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها. 
 وقال (ع): وإنّ خير العباد من يجتمع فيه خمس خصال: إذا أحسن استبشر، وإذا ساء استغفر، وإذا أُعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا ظُلم غفر. 
 
 كراماته (ع) 
 
 ومن كراماته عليه السلام ما في الصحيح عن جعفر بن محمد بن الأشعث قال: وقال لي: أتدري ما كان سبب دخولنا في هذا الأمر ومعرفتنا به؟ وما كان عندنا منه ذكر ولا معرفة شيء ممّا عند الناس؟ قال: قلت له: وما ذاك؟ قال: إنّ أبا جعفر ـ يعني أبا الدوانيق ـ قال لأبي محمد بن الأشعث: يا محمد ابغ لي رجلا ً له عقل يؤدّي عنّي، فقال له أبي: قد أصبته لك، هذا فلان ابن مهاجر خالي. قال: فأتني به، قال: فأتيته بخالي، فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر خُذ هذا المال وائت المدينة وائت عبد الله بن الحسن بن الحسن، وعدّة من أهل بيته فيهم جعفر بن محمد، فقل لهم: إنّي رجل غريب من أهل خراسان وبها شيعة من شيعتكم وجّهوا إليكم بهذا المال، وادفع إلى كلّ واحد منهم على شرط كذا وكذا، فإذا قبضوا المال فقل: إنّي رسول وأحب أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم، فأخذ المال وأتى المدينة فرجع إلى أبي الدوانيق ومحمد بن الأشعث عنده، فقال له أبو الدوانيق: ما وراءك ؟ قال: أتيت القوم وهذه خطوطهم بقبضهم المال، خلا جعفر بن محمد، فإني أتيته وهو يصلّي في مسجد الرسول (ص) فجلست خلفه، وقلت حتّى ينصرف فأذكر له ما ذكرت لأصحابه، فعجّل وانصرف، ثمّ التفتّ إليّ فقال: يا هذا اتّق الله ولا تغرّ أهل بيت محمد فإنّهم قريب العهد بدولة بني مروان وكلّّهم محتاج، فقلت: وما ذاك أصلحك الله ؟ قال: فأدنى رأسه منّي وأخبرني بجميع ما جرى بيني وبينك حتّى كأنه ثالثنا، قال: فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر اعلم أنه ليس من أهل بيت نبوّة إلا ّ وفيه محدّث، وأنّ جعفر بن محمد محدّثنا اليوم، وكانت هذه الدلالة سبب قولنا بهذه المقالة. 
 ولا عجب أن يعترف إمام المالكية بأنه ما رأت عينه أفضل من جعفر بن محمد، وإمام الحنفية بأنه أعلم الأمّة، وأن يعترف أعدى أعدائه ومن توسل بكلّ وسيلة لإطفاء نوره، بأنه الواسطة بين عالم الغيب والشهود ! 
 وعن أبي بصير أنه قال: كان لي جار يتبع السلطان، فأصاب مالا ً فأعدّ قيانا ً، وكان يجمع الجميع ويشرب المسكر ويؤذيني، فشكوته إلى نفسه غير مرّة فلم ينته، فلمّا أن ألححت عليه، فقال لي: يا هذا أنا رجل مبتلى، وأنت رجل معافى، فلو عرضتني لصاحبك رجوت أن ينقذني الله بك، فوقع ذلك في قلبي، فلمّا صرت إلى أبي عبد الله (ع) ذكرت له حاله، فقال لي: إذا رجعت إلى الكوفة سيأتيك، فقل له: يقول لك جعفر بن محمد، دع ما أنت عليه وأضمن لك على الله الجنة. 
 فلمّا رجعت إلى الكوفة أتاني فيمن أتى فاحتبسته عندي حتّى خلا منزلي، ثمّ قلت له: يا هذا إنّي ذكرتك لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع)، فقال لي: إذا رجعت إلى الكوفة سيأتيك، فقل له: يقول لك جعفر بن محمد دع ما أنت عليه وأضمن لك على الله الجنة، قال: فبكى، ثمّ قال لي: الله لقد قال لك أبو عبد الله هذا ؟ قال: فحلفت له أنه قد قال لي ما قلت. فقال لي: حسبك ومضى، فلمّا كان بعد أيّام بعثّ إليّ فدعاني، فإذا هو خلف داره عريان، فقال لي: يا أبا بصير لا والله ما بقي في منزلي شيء إلا ّ وقد أخرجته، وأنا كما ترى، قال: فمضيت إلى إخواننا، فجمعت له ما كسوته به، ثمّ لم تأت عليه إلا ّ أيام يسيرة حتى بعث إليّ إنّي عليل فأتني، فجعلت أختلف إليه، وأعالجه حتى نزل به الموت، فكنت عنده جالسا ً وهو يجود بنفسه، فغشي عليه غشية ثم أفاق، فقال لي: يا أبا بصير قد وفى صاحبك لنا، ثم قبض رحمه الله، فلما حججت أتيت أبا عبد الله (ع) فاستأذنت عليه فلمّا دخلت، قال لي ابتداء ً من داخل البيت وإحدى رجلي في الصحن والأخرى في دهليز داره: يا أبا بصير قد وفينا لصاحبك. 
 وعلى رغم اتفاق حكّام الجور مع أئمة الضلال وخدّام السلطنة والمال وسعيهم لمنع انتشار أضواء علومه وأنوار كمالاته، فقد ظهر منه ما يحيّر العقول في العلوم والفنون المختلفة، فيما يتعلّق بالمبدأ والمعاد، والنبوّات، والتكوين، والتشريع في العبادات والمعاملات وعامّة الأحكام، وروي عنه من الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن الذي ظهر منه في الاحتجاجات ما ملئت منه الأصول والمصنّفات، مع كثرة ما ضاع من آثاره وأخباره بسبب الخوف وحوادث الزمان، وإنّ ما ظهر منه عليه السلام في السنين القليلة من أيام إمامته، مع شدّة رقابة طاغية عصره عليه وعلى أصحابه شاهد على مبلغ حرمان البشر من كمالات الأئمة الاثنى عشر (ع)، فلو ثنيت لهم الوسادة وجلسوا في مجلس الرسول (ص) وفسّروا الكتاب الذي فيه تبيان كلّ شيء، وفتحوا باب مدينة العلم و الحكمة ، و أقاموا الناس بالقسط بما أنزل الله من الكتاب و الميزان، لظهر ما أراد الرسول (ص) من قوله: لن تضلّوا ما إن تمسكتم بهما، و لتبيّن ما في قوله (ص): مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق. 
 
 ملحوظة : هذا المقال مأخوذ من كتاب (مقدمة في اصول الدين ) من تأليف سماحة اية الله العظمى الشيخ حسين الوحيد الخراساني ( دام ظله على رؤوس المسلمين والمؤمنين ) 
 
 
 24 /شوال/ 1425 هـ الموافق 7 / 12 /2004م

 
 
 
 
 

2008 جميع الحقوق محفوظة لدى مكتب الشيخ حسين النجاتي، تصميم وتطوير نيما

 

التقويم والأوقات الشرعية

|

اللقاءات

|

مواقع مفيده

|

مزارات البحرين

|

إتصال بنا